التفسير لا يخلو عندنا عن مناقشة لأنه بظاهره يقتضى تقابل السمعيات للعقليّات ذاتا وتغايرهما موضوعا لا كونهما حكمين متواردين على موضوع واحد أحدهما الوجوب والندب العقليّات بالمعنى المتقدّم في الحاشية السابقة والآخر الايجاب والندب السّمعيّان بالمعنى الانشائي وهذا هو المعنى المعهود من جمهور أصحابنا الاماميّة والمعتزلة وهو الظاهر أيضا من قولهم السّمعيّات الطاف في العقليات
قوله وقد يكتفى في اللطف اه
اى يكتفى في اللطف فيما يستقل به العقل الحاصل من انضمام التكليف الشرعي بالتكليف العقلي بالتكليف السمعي فيما لم يستقل به العقل كقوله تعالى
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
لأنه يؤثّر اثر التكليف الشرعي فيما يستقل من التقريب إلى الطاعة والتبعيد عن المعصية كما يشير اليه التعليل في الآية
قوله كما يشير اليه قوله ان الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر اه
كأنه أريد بالفحشاء القبيح الذي استقل العقل بادراك قبحه وتحريمه وبالمنكر القبيح الذي كشف الشرع عن قبحه بالمنع والتحريم وكون الصّلاة ناهية عنهما اى باعثة على الامتناع عنهما امّا ما دام المصلّى متشاغلا بالصّلاة أو بالخاصيّة حتى في غير حال الصّلاة ولو وقتا ما من العمر بالتوفيق على التوبة الرافعة لما مضى المانعة عمّا استقبل وبكلّ منهما رواية فمن الأول ما روى عن التوحيد عن الصادق ع قال الصّلاة حجزة اللّه وذلك انّها تحجز المصلّى عن المعاصي ما دام في صلاته ثم تلا هذه الآية ومن الثانية ما روى مرسلا من أن فتى من الأنصار كان يصلى الصّلوات مع رسول اللّه ص ويرتكب الفواحش فوصف ذلك لرسول اللّه ص فقال ان صلاته تنهاه يوما ما فلم يلبث إلا تاب ويحتمل ان يكون هذا الوصف للصّلاة باعتباران من يواظب الصّلوات ابعد من الفحشاء والمنكر من غيره
قوله وقالوا بان العقل لا يدرك فيها شيئا اه
وكذلك ناظروهم أيضا في مسئلة شكر المنعم فقالوا بانّ العقل لا يحكم فيها بالوجوب
قوله موقوف على حكم العقل باستواء الفعل والترك اه
بل ادراكه لتساوى الفعل والترك من حيث الخلوّ عن الجهات المحسّنة والمقبحة بان يكون الشيء عند العقل بحيث لا يستحق فاعله ولا تاركه مدحا ولا ذمّا واللازم من ذلك أنه يدرك ان الشارع رخّص لنا بحسب الواقع كلّا من الفعل والترك لقبح الترجيح من غير مرجّح اللازم من الامر بنحو ذلك الشيء أو النهى عنه وهذا هو محل الإباحة العقلية بحسب المفهوم والكلام في المصداق ولم نقف في أفعال المكلفين على ما يكون مصداقا له ولا على مثال له في كلام القوم فان قصارى ما يمكن ان يقال فيما يفرض مثالا له هو ان العقل لا يدرك فيه حسنا ولا قبحا وامّا خلوّه بحسب الواقع عن جميع الصفات المحسّنة والصّفات المقبحة فليس مما يدركه العقل ولا طريق له إلى ادراكه سوى خطاب الشرع كما هو الحال في المحرّمات الشرعيّة قبل ورود خطاب الشرع كما هو الحال في المحرّمات بتحريمها
قوله فاىّ شيء يبقى بعد ذلك لان يحكموا عليه بالإباحة اه
بل لا شيء يحكم العقل فيه بالإباحة الواقعية بالاستقلال لما عرفت من أنه لا طريق له إلى ادراك خلوّ الشيء في الواقع عن الصّفات المحسّنة والمقبحة
قوله لا حكم للعقل فيها عند الكل اه
فيه نظر بل منع واضح فان ارتكاب ما لا منفعة فيه أصلا لغو وسفه وهو قبيح عقلا عند كل القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين
قوله وممّا ذكرنا ظهر ما في كلام الفاضل الجواد اه
لان قول الفاضل وتنقسم إلى الأحكام الخمسة يقتضى ان يكون في الأشياء الغير الضرورية ما اتّفق فيه القائلون بالتحسين والتقبيح العقليّين على أن العقل يدرك فيه الإباحة الواقعيّة لمكان قوله عند المعتزلة الظاهر في دعوى اتفاقهم عليه وقد عرفت منعه وفي عبارة الفاضل حزازة أخرى من حيث ادراجه المباح العقلي فيما يدرك العقل حسنها أو قبحها لان ملزوم الإباحة ادراكه خلوّ الفعل والترك عن الحسن والقبح لا ادراكه الحسن والقبح إلّا ان يراد من ادراكهما ما يعمّ ادراك وجودهما وادراك انتفائهما أو يراد من الحسن الذي يدركه العقل ما يعمّ ما لا خرج في فعله ولا في تركه واقعا ولا يكون كذلك الا من حيث الخلوّ عن الحسن والقبح بمعنى استحقاق الفاعل المدح أو الذم لا خصوص ما يستحق فاعله المدح أو الذم وفي الكل تكلف
قوله لأنها منفعة خالية عن امارة المفسدة اه
علل الثاني كما في المنية بانا نتكلم على هذا التقدير ويمكن تعليل الأول به أيضا فان موضوع المسألة ما اخذ فيه هذان القيدان اما الاوّل فلما بيّنّا سابقا من لزوم السّفه واللغو في ارتكاب ما لا منفعة فيه أصلا فيكون ممّا يدرك العقل قبحه وامّا الثاني فلان امارة المفسدة ان أريد بها ما يوجب ظن المضرّة من غير أن يكون دليلا فيدخل المورد في عنوان دفع الضرر المظنون الواجب عقلا فيقبح تركه أيضا وان أريد بها