تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
تستكمل البحث الذي تناولته الآيات المتقدمة ، ونظير ذلك كثير في القرآن . فالآية الأولى من هذه الآيات تقول : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم والآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين . " السقاية " لها معنى مصدري وهو إيصال الماء للآخرين ، وكما تعني المكيال ، كما جاء في الآية 70 من سورة يوسف فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه وتعني الإناء الكبير أو الحوض الذي يصب فيه الماء . وكان في المسجد الحرام بين بئر زمزم والكعبة محل يوضع فيه الماء يدعى ب‍ " سقاية العباس " وكان معروفا آنئذ ، ويبدو أن هناك إناء كبيرا فيه ماء يستقى منه الحاج يومئذ . ويحدثنا التأريخ أن منصب " سقاية الحاج " قبل الإسلام كان من أهل المناصب ، وكان يضاهي منصب سدانة الكعبة ، وكانت حاجة الحاج الماسة في أيام الحج إلى الماء في تلك الأرض القاحلة اليابسة المرمضة ( 1 ) التي يقل فيها الماء ، وجوها حار أغلب أيام السنة ، وكانت هذه الحاجة الماسة تولي موضوع " سقاية الحاج " أهمية خاصة ، ومن كان مشرفا على السقاية كان يتمتع بمنزلة اجتماعية نادرة ، لأنه كان يقدم للحاج خدمة حياتية . وكذلك " عمارة المسجد الحرام " أو سدانته ورعايته ، كان لها أهميته الخاصة ، لأن المسجد الحرام حتى في زمن الجاهلية كان يعد مركزا دينيا ، فكان المتصدي لعمارة المسجد أو سدانته محترما . ومع كل ذلك فإن القرآن يصرح بأن الإيمان بالله وباليوم الآخر والجهاد في سبيل الله أفضل من جميع تلك الأعمال وأشرف .
هامش
1 - " المرمضة " مشتقة من " الإرماض " أي شديدة الحر ، والأرض الرمضاء كذلك : شدية الحر .