تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
أصل اللغة تعني نشر الشئ وتفريقه ، وقد وردت بهذا المعنى " الثاني " في القرآن أيضا ، كما في عبارة تذروه الرياح ( 1 ) . ولأن خلق الكائنات يستلزم تفريقها وتوزيعها وانتشارها على وجه الأرض ، فقد جاءت هذه الكلمة بمعنى خلق " المخلوق " أيضا : وعلى كل حال ، فإن الإشكال المهم في هذا التعبير هو كيف قال الله سبحانه ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ؟ في حين قال في مكان آخر وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( 2 ) وطبقا لمعنى هذه الآية فإن الجن والإنس لم يخلقوا لغير عبادة الله والرقي والتكامل والسعادة ، أضف إلى ذلك أن هذا التعبير تشم منه رائحة الجبر في الخلق ، ومن هنا فقد استدل بعض مؤيدي مدرسة الجبر من أمثال الفخر الرازي بهذه الآية لإثبات مذهبه . لكننا لو ضممنا آيات القرآن بعضها إلى بعض وبحثناها موضوعيا دون أن نبتلى بالسطحية ، لوجدنا الجواب على هذا السؤال كامنا في الآية محل البحث ذاتها ، كما هو بين في آيات أخرى من القرآن الكريم أيضا . . . بحيث لا يدع مجالا لأن تستغل الآية ليساء فهمها لدى بعض الأفراد . مثل هذا التعبير كمثل قول النجار إذ يقول مثلا : إن قسما كبيرا من هذا الخشب وقد هيأته لكي أصنع منه أبوابا جميلة ، والقسم الآخر هو للإحراق والإضرام . . . فالخشب الرائق الجيد المناسب سأستعمله للقسم الأول ، وأما الخشب الردئ غير المناسب فسأدعه للقسم الثاني . ففي الحقيقة أن للنجار هدفين : هدفا " أصيلا " وهدفا ( تبعيا ) . فالهدف الأصيل هو صنع الأبواب والأطر الخشبية الجيدة وما إلى ذلك ، وهو يبذل قصارى جهده وسعيه في هذا المضمار . . .
هامش
1 - الكهف ، 45 . 2 - سورة الذاريات : 56 .