تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
إنما خلقا أولا ثم هديا إلى السكنى في الجنة وأن القرائن تفيد - كما أسلفنا في ذيل الآيات المتعلقة بقصة خلق آدم في سورة البقرة - أن تلك الجنة لم تكن جنة القيامة ، بل هي - كما ورد في أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) أيضا - جنة الدنيا ، أي أنها كانت بستانا جميلا أخضر من بساتين هذا العالم ، وفر الله سبحانه فيها جميع أنواع النعم والخيرات . وفي هذه الأثناء صدر أول تكليف وأمر ونهي إلى آدم وحواء من جانب الله تعالى ، بهذه الصورة : فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين أي أن الأكل من جميع أشجار هذه الجنة مباح لكما ، إلا شجرة خاصة لا تقرباها ، وإلا كنتما من الظالمين . ثم إن الشيطان الذي طرد من رحمة الله تعالى بسبب إحجامه عن السجود لآدم ، وكان قد صمم على أن ينتقم لنفسه من آدم وبنيه ما أمكن ، ويسعى في إضلالهم ما استطاع ، وكان يعلم جيدا أن الأكل من الشجرة الممنوعة تعرض آدم للإخراج من الجنة ، عمد إلى الوسوسة لآدم وزوجته ، وبغية الوصول إلى هذا الهدف نشر شباكا متنوعة على طريقهما . ففي البداية - وكان يقول القرآن الكريم - بدأ بنزع لباس الطاعة والعبودية لله ، عنهما ، فأبدى عورتهما التي كانت مخبأة مستورة : فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوآتهما . وللوصول إلى هذا الهدف رأى أن أفضل طريق هو أن يستغل حب الإنسان ورغبته الذاتية في التكامل والرقي والحياة الخالدة ، وليوفر لهما عذرا يعتذران ويتوسلان به لتبرير مخالفتهما لأمر الله ونهيه ، ولهذا قال لآدم وزوجته : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين . وبهذه الطريقة صور الأمر الآلهي في نظرهما بشكل آخر ، وصور المسألة وكأن الأكل من " الشجرة الممنوعة " ليس غير مضر فحسب ، بل يورث عمرا