تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
وتطلق " الحجة " على الطريق الذي يقصده الإنسان ، ويطلق على البرهان والدليل " الحجة " أيضا ، لأن القائل يقصد إثبات مدعاه للآخرين عن طريقه . ومع ملاحظة لفظة " بالغة " يتضح أن الأدلة التي أقامها الله للبشر عن طريق العقل والنقل وبواسطة العلم والفكر ، وكذا عن طريق إرسال الأنبياء واضحة لا لبس فيها من جميع الجهات ، بحيث لا يبقى أي مجال للترديد والشك لأحد ، ولهذا السبب نفسه عصم الله سبحانه أنبياءه من كل خطأ ليبعدهم عن أي نوع من أنواع التردد والشك في الدعوة والإبلاغ . ثم يقول في ختام الآية : ولو شاء الله أن يهديكم جميعا بالجبر لفعل : فلو شاء الله لهداكم أجمعين . وفي الحقيقة فإن هذه الجملة إشارة إلى أن في مقدور الله تعالى أن يجبر جميع أبناء آدم على الهداية ، بحيث لا يكون لأحد القدرة على مخالفته ، ولكن في مثل هذه الصورة لم يكن لمثل هذا الإيمان ولا للأعمال التي تصدر في ضوء هذا الإيمان الجبري القسري أية قيمة ، إنما فضيلة الإنسان وتكامله في أن يسلك طريق الهداية والتقوى بقدميه وبإرادته واختياره . وعلى هذا الأساس لا منافاة أصلا بين هذه الجملة والآية السابقة التي ورد فيها نفي الجبر . إن هذه الجملة تقول : إن إجبار الناس الذي تدعونه أمر ممكن ومقدور لله تعالى ، ولكنه لن يفعله قط ، لأنه يخالف الحكمة وينافي المصلحة الإنسانية . وكان المشركون قد تذرعوا بالقدرة والمشيئة الإلهيتين لاختيار مذهب الجبر ، على حين أن القدرة والمشيئة الإلهيتين حق لا شبهة فيهما ، بيد أن نتيجتهما ليست هي الجبر والقسر ، بل إن الله تعالى أراد أن نكون أحرارا ، وأن نسلك طريق الحق باختيارنا وبمحض إرادتنا . جاء في كتاب الكافي عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أنه قال :
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 507 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي