الخفاء ، وتقول : وذروا ظاهر الإثم وباطنه .
يقال إنهم في الجاهلية كانوا يعتقدون أن الزنا إذا ارتكب في الخفاء فلا بأس
به ، أما إذ ارتكب علنا فهو الإثم ! واليوم - أيضا - نجد أناسا يسيرون وفق هذا
المنطق الجاهلي فيخشون ارتكاب الإثم علانية ، ولكنهم يرتكبون في الخفاء ما
يشاؤون من الآثام دون رادع من ضمير .
إن هذه الآية لا تدين هذا المنطق فحسب ، بل تحمل مفاهيم واسعة ، فهي
بالإضافة إلى ما قلناه آنفا تتضمن الكثير من التفاسير التي وردت للإثم الظاهر
والباطن ، من ذلك مثلا - قولهم : ان الإثم الظاهر هو ما يرتكب بوساطة أعضاء
الجسم ، والإثم الباطن هو ما يرتكب في القلب وفي النية والعزم .
ثم من باب تهديد المذنبين بما ينتظرهم من مصير مشؤوم وتذكيرهم بذلك ،
تقول الآية : إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون .
عبارة يكسبون الإثم تعبير رائع يشير إلى أن الإنسان في هذه الدنيا أشبه
بأصحاب رؤوس الأموال الذين يدخلون سوقا كبيرة ، أن رؤوس أموالهم الذكاء
والعقل والعمر والشباب والطاقات المختلفة التي هي مواهب الله ، فالمسكين ذاك
الذي " يكتسب " الإثم بدل أن يكتسب السعادة والشخصية الإنسانية والتقوى
والقرب إلى الله .
و " سيجزون " أي ينالون الجزاء في المستقبل القريب . . . قد يشير إلى يوم
القيامة ، وأنه وإن بدا في نظر بعضهم بعيدا ، فهو في الحقيقة قريب جدا ، وإن هذا
العالم سرعان ما تنطوي أيامه ويحين المعاد .
وقد يكون إشارة إلى أن أغلب أفراد البشر ينالون في هذه الدنيا بعض ما
يستحقونه من نتائج أعمالهم السيئة بشكل ردود فعل فردية واجتماعية .
* * *
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 449
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٤٩