تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
المودعة في الإنسان المتمثلة في عبادة الله . ولما كانت هذه الفطرة موجودة في الإنسان دائما ، فإن تحريفها كان أيضا موجودا بين المجموعات البشرية المنحطة دائما . لذلك يمكن القول أن تاريخ عبادة الأصنام يكاد يوازي تاريخ ظهور الإنسان على الأرض ، وذلك لأن الإنسان بمقتضى فطرته وخلقه يتوجه إلى قوة فوق الطبيعة . إن طبيعته هذه كانت تؤيدها أدلة واضحة من نظام الوجود تقضي بوجود مبدأ عالم قادر ، وكان الإنسان يدرك هذا بقدر ما عن طريقين - فطرته وعقله - والإحساس بالجوع في الأطفال مثلا إذا لم يوجه في الوقت المناسب إلى الغذاء السليم فإن الطفل قد يمد يده إلى أشياء كالطين والتراب ، ويتعود على ذلك بالتدريج فيفقد صحته من جراء ذلك . كذلك الإنسان الذي يبحث عن الله بفطرته وعقله إذا لم يوجه الوجهة الصحيحة يمد نظره إلى مختلف الآلهة والأصنام المصطنعة ، فينحني ويسجد لها ويسبغ عليها كل صفات الألوهية . ولا حاجة إلى القول بأن قصيري النظر والسفهاء يسعون إلى أن يجسموا كل شئ في قالب حسي ، لأن فكرهم لا يفارق منطقة المحسوسات أبدا ، لذلك كان يصعب عليهم عبادة إله غير منظور ومرئي ، ورغبوا في صب آلهتهم في قالب حسي . إن هذا الجهل إذا امتزج بفطرة عبادة الله يظهر في صورة عباده الأصنام والآلهة المجسدة . وقيل من جهة أخرى : إن الأقوام السالفة كانت تقدس أنبياءها وشخصياتها الدينية ، فإذا توفي هؤلاء أقامت لهم التماثيل لإحياء ذكراهم مدفوعين بروح تقديس الأبطال ، والغلو التي نجدها في ضعفاء العقول ، ومن ثم تقديس تماثيلهم إلى حد التأليه ، وكان هذا سببا آخر من أسباب عبادة الأصنام . ومن الأسباب الأخرى لعبادة الأصنام هو أن عددا من الموجودات الطبيعية التي هي مصدر خير وبركة للإنسان كالقمر والشمس والنار والماء وغيرها قد
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 271 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي