إن ضعفكم هذا دليل أيضا على أن مالك الموت والحياة واحد ، وأن الجزاء
بيده ، وهو الذي يحي ويميت .
" مدينين " : جمع ( مدين ) من مادة ( دين ) بمعنى الجزاء ، وفسرها البعض بمعنى
المربوبين . والمعنى هو : يا أيها العباد ، إن كنتم تحت ربوبية موجود آخر ، ومالكي
نواصي أموركم ، فارجعوا أرواحكم التي قبضناها ، وهيهات تقدرون ! وهذا دليل
آخر على أنكم في قبضة الحكومة الإلهية .
* * *
تعقيب
3 1 - لحظة ضعف الجبارين
إن الهدف من هذه الآيات - في الحقيقة - هو بيان قدرة الله عز وجل على
مسألة الموت والحياة ، كي ينتقل منها إلى مسألة المعاد واختيار لحظات الاحتضار
والموت هنا لظهور غاية الضعف الإنساني بالرغم من كل القوة التي يتصورها
لنفسه .
ومن المفيد أن نستعرض بعض حالات الجبارين لحظة احتضارهم بالرغم
من أنهم كانوا في أوج القدرة حتى يتضح المعنى العميق لهذه الآية بصورة أفضل .
حكى المسعودي في مروج الذهب في أخبار المأمون وغزاته أرض الروم ما
هذا ملخصه : وانصرف من غزاته إلى منزل على ( عين البديدون ) المعروفة
بالقشيرة فأقام هنالك ، فوقف على العين فأعجبه برد مائها وصفاؤه وبياضه وطيب
حسن الموضع ، وكثرة الخضرة فأمر بقطع خشب طويل منبسط على العين
كالجسر ، وجعل فوقه كالأزج من الخشب وورق الشجر ، وجلس تحت الكنسية
التي عقدت له ، والماء تحته ، وطرح في الماء درهم صحيح ، فقرأ كتابته وهو في
قرار الماء لصفاء الماء ، ولم يقدر أحد أن يدخل يده من شدة برده .