تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
للحديث حولهم في السور المكية ، وذلك لأن مسألة النفاق ظهرت بعد انتصار الإسلام وتسلمه السلطة والقوة ، حيث أصبح المشركون في موقع ضعف وانهيار ، بحيث لم يكن باستطاعتهم إظهار مخالفتهم ، ولذلك اضطروا إلى التلبس بالإسلام ليأمنوا غضب المسلمين الحقيقيين ، أما في الباطن فإنهم لم يألوا جهدا في التآمر ضد الإسلام ، وكان يهود المدينة الذين كانوا يتمتعون بقوة عسكرية واقتصادية لا يستهان بها ، يعتبرون سندا للمنافقين . وعلى أي حال ، فقد توغل هؤلاء بين المسلمين المخلصين ، وكانوا يحضرون عند النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويشاركون في صلاة الجمعة ، إلا أن تعاملهم تجاه آيات القرآن كان يفضح ما تنطوي عليه سرائرهم وقلوبهم المريضة . تقول الآية الأولى من الآيات مورد البحث : ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا وكان مرادهم من ذلك الرجل هو النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . إن تعبير هؤلاء في شأن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكلماته البليغة ، كان من القبح والبذاءة إلى درجة تدل على أنهم لم يؤمنوا بالوحي السماوي قط . " آنفا " من مادة ( أنف ) ، ولما كان للأنف بروزا متميزا في وجه الإنسان ، فإن هذه الكلمة تستعمل في شأن أشراف القوم ، وكذلك تستعمل في مورد الزمان المتقدم على زمان الحال ، كما جاء في الآية مورد البحث . ثم إن التعبير ب‍ الذين أوتوا العلم يوحي بأن إحدى علامات المؤمن امتلاكه الوعي الكافي ، فكما أن العلم مصدر الإيمان ، فكذلك هو وليد الإيمان وحاصله . إلا أن القرآن الكريم قد أجابهم جوابا قاطعا ، فقال : إن كلام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن غامضا ولا معقدا ، بل أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم . وفي الحقيقة فإن الجملة الثانية علة للجملة الأولى ، أي إن اتباع الهوى يسلب الإنسان القدرة على إدراك الحقائق وتمييزها ، ويلقي الحجاب على قلبه ، بحيث