تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( 1 ) . هاتين الجملتين تبينان بوضوح مدى انحراف هؤلاء القوم وتعصبهم ، فهم في الجملة الأولى يقولون : إن دعوتك كاذبة ، لأنها تخالف آلهتنا التي تعودنا على عبادتها ، وهي إرث ورثناه عن آبائنا . ونراهم في الجملة الثانية يطلبون وقوع العذاب ! ذلك العذاب الذي إن نزل بهم فلا رجعة معه مطلقا ، وأي ذي لب يتمنى نزول مثل هذا العذاب ، حتى وإن لم يكن لديه يقين بوقوعه ؟ إلا أن هودا ( عليه السلام ) قال في رده على هذا الطلب المتهور الذي يدل على الجنون : قال إنما العلم عند الله فهو الذي يعلم متى وفي أي ظروف ينزل عذاب الاستئصال ، فلا هو مرتبط بطلبكم وتمنيكم ، ولا هو تابع لرغبتي ، بل يجب أن يتم الهدف ويتحقق ، ألا وهو إتمام الحجة عليكم ، فإن حكمته سبحانه تقتضي ذلك . ثم يضيف : وأبلغكم ما أرسلت به فهو مهمتي الأساسية ، ومسؤوليتي الرئيسية ، أما اتخاذ القرار في شأن طاعة الله وأوامره فهو أمر يتعلق بكم ، وإرادة نزول العذاب ومشيئته تتعلق به سبحانه . ولكني أراكم قوما تجهلون وجهلكم هذا هو أساس تعاستكم وشقائكم ، فإن الجهل المقترن بالكبر والغرور هو الذي يمنعكم من دراسة دعوة رسل الله ، ولا يأذن لكم في التحقيق فيها . . . ذلك الجهل الذي يحملكم على الإصرار على نزول عذاب الله ليهلككم ، ولو كان لديكم أدنى وعي أو تعقل لكنتم تحتملون - على الأقل - وجود احتمال إيجابي في مقابل كل الاحتمالات السلبية ، والذي إذا ما تحقق فسوف لا يبقى لكم أثر . وأخيرا لم تؤثر نصائح هود ( عليه السلام ) المفيدة ، وإرشاداته الأخوية في قساة القلوب أولئك ، وبدل أن يقبلوا الحق لجوا في غيهم وباطلهم ، وتعصبوا له ، وحتى نوح ( عليه السلام )
هامش
1 - " لتأفكنا " من مادة " إفك " ، أي الكذب والانحراف عن الحق .