تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
العاقل المؤمن إذا بلغ سن الأربعين ، يطلب من ربه ثلاث طلبات ، فيقول أولا : قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ( 1 ) . إن هذا التعبير يوحي بأن الإنسان يدرك في هذه السن عمق نعم الله سبحانه وسعتها ، وكذلك يدرك ما تحمله أبواه من الجهود المضنية حتى بلغ هذا المقدار من العمر ، وذلك لأنه غالبا ما يصبح في هذا العمر أبا إن كان ذكرا ، وأما إن كانت أنثى ، ويرى بأم عينه كل تلك الجهود التي بذلت من أجله ، ومدى الإيثار الذي آثره أبواه في سبيله ، وشكرا لسعيهما يتوجه لا إراديا لشكر الله سبحانه . أما طلبه الثاني فهو : وأن أعمل صالحا ترضاه . وأخيرا يقدم طلبه الأخير فيقول : وأصلح لي في ذريتي . إن التعبير ب‍ ( لي ) يشير ضمنية إشارة إلى أنه يرجو أن يكون أولاده في وضع من الصلاح والخير بحيث تعود نتائجه وحسناته عليه . والتعبير ب‍ ( في ذريتي ) بصورة مطلقة ، يشير إلى استمرار الخير والصلاح في كل نسله وذريته . والطريف أنه يشرك أبويه في دعائه الأول ، وأولاده في الدعاء الثالث ، أما الدعاء الثاني فيخص نفسه به ، وهكذا يكون الإنسان الصالح ، فإنه إذا نظر إلى نفسه بعين ، ينظر بالأخرى إلى الآخرين الذين تفضلوا عليه ولهم حق في رقبته . وتبين الآية في نهايتها مطلبين ، كل منهما تبيان لبرنامج عملي مؤثر ، فتقول : إني تبت إليك فقد بلغت مرحلة يجب أن أعين فيها مسير حياتي ، وأسير في ذلك الخط ما حييت . نعم ، لقد بلغت الأربعين ، ويقبح بعبد مثلي أن يأتيك ولم يغسل نفسه بماء التوبة ، ولم يطهرها بالعودة إلى طريق ربه ويقرع باب رحمته . والآخر : وإني من المسلمين .
هامش
1 - " أوزعني " من مادة ( الإيزاع ) التي وردت بعدة معان : الإلهام ، والمنع من الانحراف ، وإيجاد العشق والمحبة ، والتوفيق .