تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
الآية التي بعدها شبهت أفراد العالم حيال رزق الخالق وكيفية الاستفادة منه بالمزارعين الذين يقوم قسم منهم بالزراعة للآخرة والقسم الآخر للدنيا ، وتحدد عاقبة كل قسم منهم وفق تشبيه لطيف حيث تقول : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ( 1 ) . إنه لتشبيه لطيف وكناية جميلة ، فجميع الناس مزارعون ، وهذه الدنيا مزرعة لنا ، أعمالنا هي البذور ، والإمكانات الإلهية هي المطر لهذه المزرعة ، إلا أن هذه البذور تختلف كثيرا ، فبعضها غير محدودة النتاج وأبدية ، أشجارها دائمة الخضرة ومثمرة وبعضها الآخر قليل النفع جدا ، وتنتهي بسرعة ، وتحمل ثمارا مرة . وفي الحقيقة ، فإن عبارة ( يريد ) تشير إلى اختلاف الناس في النيات ، ومجموع هذه الآية يعتبر توضيحا لما جاء في الآية السابقة من المواهب والرزق الإلهي ، فالبعض يستفيد من هذه المواهب على شكل بذور للآخرة ، والبعض الآخر يستعملها للتمتع الدنيوي . والطريف في الأمر أن الآية تقول بخصوص الذين يزرعون للآخرة : نزد له في حرثه إلا أنها لا تقول أنه لا يصيبهم شئ من متاع الدنيا ، وبالنسبة لمن يزرع للدنيا تقول : نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب . وعلى هذا الأساس فلا طلاب الدنيا يصلون إلى ما يريدون ، ولا طلاب الآخرة يحرمون من الدنيا ، ولكن مع الفارق ، وهو أن المجموعة الأولى تذهب إلى الآخرة بأيد فارغة ، والمجموعة الثانية بأيد مملوءة . وقد جاء ما يشبه نفس هذا المعنى في الآية 18 و 19 من سورة الإسراء ، ولكن بشكل آخر : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم
هامش
1 - مصطلح ( حرث ) كما يقول الراغب في مفرداته : تعني في الأصل : رمي البذر في الأرض وتهيئتها للزراعة ، وفي القرآن الكريم استخدمت عدة مرات بهذا المعنى ، ولكن لا يعلم سبب اعتبار بعض المفسرين أنها تعني ( العمل والكسب ) .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 507 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي