جلّها في الأعداء ؛ والمراد بتعليمها آدم كلّها ، خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة حتّى استعدّ لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيّلات والموهومات ، وإلهامه معرفة ذوات الأشياء وخواصّها وأُصول العلم وقوانين الصّناعات وكيفيّة آلاتها والتّمييز بين أولياء الله وأعدائه ، فتأتي له بمعرفة ذلك كلّه مظهريّته لأسماء الله كلّها وجامعيّته جميع كمالات الوجود اللائقة به حتّى صار منتخباً لكتاب الله الكبير الّذي هو العالم الأكبر .
كما قال أمير المؤمنين ( ع ) :
« دواؤك فيك وما تشعر * وداؤك منك وما تبصر
وأنت الكتاب المبين الّذي * بأحرفه يظهر المضمر
وتزعم أنّك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر » « 1 »
وإنّما لم تعرف « 2 » الملائكة حقائق الأشياء كلّها لاختلافها وتباينها وكونهم وحدانيّة الصّفة ليس في جبلّتهم خلط وتركيب ، ولهذا لا يفعل كلّ صنف منهم إلّا فعلًا واحداً ، فالرّاكع منهم راكع أبداً ، والسّاجد منهم ساجد أبداً ، والقائم منهم قائم أبداً ؛ كما حكى الله ( عز وجل ) عنهم بقوله : «
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
» ، « 3 » ولهذا ليس له تنافس « 4 » وتباغض ؛ بل مثالهم مثال الحواسّ ، فإنّ البصر لا يزاحم السّمع في إدراك الأصوات ، ولا الشمّ يزاحمهما ، ولا هما يزاحمان الشمّ ؛ فلا جرم مجبولون على الطّاعة ، لا مجال للمعصية في حقّهم «
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
» ، «
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
» ؛ « 5 » فكلّ صنف منهم مظهر
هامش
( 1 ) - ديوان الإمام عليّ : 57 ؛ شرح الفصوص : 91 .
( 2 ) - في ب ، أ ، د : لم يعرف .
( 3 ) - الصافّات : 164 .
( 4 ) - في ب : تنافر .
( 5 ) - التحريم : 6 ؛ الأنبياء : 20 .