« فالنّاس نِيام فإذا ماتوا انتبهوا » ، « 1 » وعلموا حقائق ما سمعوه بالمثال ، وعرفوا أرواح ذلك وعقلوا أنّ تلك الأمثلة كانت قشوراً ، قال الله سبحانه : «
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
» ، فمثّل العلم بالماء والقلوب بالأودية والضّلال بالزبد ، ثمّ نبّه في آخرها فقال : «
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
» ، « 2 » فكلّما لا يحتمل فهمك فإنّ القرآن يلقيه إليك على الوجه الّذي كنت في النّوم مطالعاً بروحك لللوح المحفوظ ، ليمثّل ذلك بمثال مناسب ، وذلك يحتاج إلى التّعبير ، فالتأويل يجري مجرى التّعبير ، فالمفسّر يدور على القشر .
ولمّا كان النّاس إنّما يكلّمون على قدر عقولهم ومقاماتهم ، فما يخاطب به الكلّ يجب أن يكون للكلّ فيه نصيب ، فالقشريّة من الظّاهريين لا يدركون إلّا المعاني القشريّة كما أنّ القشر من الإنسان وهو ما في الإهاب « 3 » والبشرة من البدن لا ينال إلّا قشر تلك المعاني وهو ما في الجلد والغلاف من السّواد والصّور ، وأمّا روحها وسرّها وحقيقتها فلا يدركها إلّا أولو الألباب وهم الرّاسخون في العلم ، وإلى ذلك أشار النّبيّ ( ص ) في دعائه لبعض أصحابه حيث قال : « اللّهم فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل » ، « 4 » ولكلّ منهم حظّ قلّ أم كثر ، وذَوْقٌ نقص أم كمل ، ولهم درجات في التّرقّي إلى أطوارها وأغوارها « 5 » وأسرارها وأنوارها ، وأمّا البلوغ للاستيفاء والوصول إلى الأقصى فلا مطمع لأحد فيه ، ولو كان البحر مداداً لشرحه والأشجار أقلاماً ، «
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ
هامش
( 1 ) - عيون الحكم والمواعظ : 66 ؛ عوالي اللئالي : 4 / 266 ، الجملة الثانية ، ح 48 .
( 2 ) - الرعد : 17 .
( 3 ) - الجلد قبل أن يدبغ .
( 4 ) - الخرايج والجرايح : 1 / 57 ، الباب الأوّل ، ح 96 ؛ مسند أحمد : 1 / 266 ، « مسند عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلّب » .
( 5 ) - جمع الغار ؛ الكهف .