تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
ومن دون أي شك فإنه لا أحد يستطيع أن يدعي أن قدرته ومنزلته أكبر من أن يسجد لله ( أو لآدم بأمر من الله ) وبهذا فإن الاحتمال الوحيد المتبقي هو الثاني ، أي التكبر . وقال بعض المفسرين : إن كلمة ( عالين ) تعني - هنا - الأشخاص الذين يسيرون دوما في طريق الغرور والتكبر ، وطبقا لهذا فإن معنى الآية يكون : هل أنك استكبرت الآن ، أم كنت دائما هكذا ؟ ! ولكن المعنى الأول أنسب . إلا أن إبليس اختار - بكل تعجب - الشق الثاني ، وكان يعتقد بأنه أعلى من أن يؤمر بذلك ، لذلك قال - بكل وقاحة - أثناء تبيانه أسباب معارضته لأوامر البارئ عز وجل : قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . وعلل إبليس عدم سجوده لآدم وعصيانه أمر الله بالمقدمات التالية : أولا : إنني خلقت من نار ، أما هو فقد خلق من طين ، وهذه حقيقة صرح بها القرآن المجيد في الآيتين 14 و 15 من سورة الرحمن : خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار . ثانيا : إن الشئ المخلوق من النار أفضل من الشئ المخلوق من التراب ، لأن النار أشرف من التراب . ثالثا : لا يحق لأحد أن يأمر مخلوقا بالسجود لمخلوق آخر دنى منه . وخطأ إبليس يكمن في المقدمتين الأخيرتين ، وذلك من عدة وجوه : أولا : لأن آدم لم يكن ترابا فقط ، وإنما نفخت فيه الروح الإلهية ، وهذا هو سبب عظمته ، وإلا فأين التراب من كل هذا الفخر والاستعداد والتكامل ؟ ثانيا : التراب ليس بأدنى من النار ، وإنما هو أفضل منها بكثير ، لأن كل الحياة أصلها من التراب ، فالنباتات وكل الموجودات الحية بأجمعها تستمد غذاءها ومصدر حياتها من التراب ، وكل المعادن الثمينة مخفية في وسط التراب ، خلاصة
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 561 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي