تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
خارقة تجعله لائقا لخلافة الله ، والذي سجدت له الملائكة بأجمعها فور اكتمال عملية خلقه فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا أن إبليس كان الوحيد الذي أبى أن يسجد لآدم لتكبره وتمرده وطغيانه ، ولهذا السبب أنزل من مقامه الرفيع إلى صفوف الكافرين : إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين . نعم ، فالتكبر والغرور من أقبح الأمور التي يبتلى بها الإنسان ، إذ أنهما يسدلان الستار على عينه وبصيرته ، ويحرماه من إدراك الحقائق وفهمها ، ويؤديان به إلى التمرد والعصيان ، ويخرجانه أيضا من صفوف المؤمنين المطيعين لله إلى صف الكافرين الباغين والطاغين ، ذلك الصف الذي يترأسه إبليس ويقف في مقدمته . وهنا استجوب البارئ عز وجل إبليس : قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي من البديهي أن عبارة ( يدي ) لا تعني الأيدي الحقيقية المحسوسة ، لأن البارئ عز وجل منزه عن كافة أشكال الجسم والتجسيم ، وإنما " اليد " هنا كناية عن القدرة ، ومن الطبيعي أن الإنسان يستعمل يديه ليظهر قدرته على إنجاز العمل ، وكثيرا ما تستخدم اليد بهذا المعنى في محادثاتنا اليومية ، إذ يقال : إن البلد الفلاني بيد المجموعة الفلانية ، أو إن المسجد الفلاني بني على يد الشخص الفلاني ، وأحيانا يقال : إن يدي قصيرة ، أو إن يدك مملوءة ، اليد في كل تلك الجمل ليس المقصود منها اليد الحقيقية التي هي أحد أعضاء الجسم ، بل كناية عن القدرة والسلطة والتمكن . ومن هنا فإن الإنسان ينفذ أعماله المهمة بكلتا يديه ، واستخدامه كلتا يديه يبين اهتمامه وتعلقه بذلك العمل ، ومجئ هذه العبارة في الآية المذكورة أعلاه إنما هو كناية عن الاهتمام الخاص الذي أولاه البارئ عز وجل لعملية خلق الإنسان . ثم تضيف الآية : استكبرت أم كنت من العالين أي أكان عدم سجودك لأنك استكبرت ، أم كنت من الذين يعلو قدرهم عن أن يؤمروا بالسجود ؟ !
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 560 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي