رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم .
فهذا أول رد فعل لهم إزاء " الآيات البينات " وهو السعي إلى تحريك حس
العصبية في هؤلاء القوم المتعصبين .
خاصة مع ملاحظة استخدامهم تعبير " آباؤكم " بدل " آباؤنا " ، يفهم منه أنهم
يريدون القول لقومهم بأن تراث الأجداد في خطر ، وإن عليكم النهوض والتصدي
لهذا الرجل عن العبث بذلك الميراث .
ثم تعبير ما هذا إلا رجل إنما يقصد به تحقير النبي ( صلى الله عليه وآله ) من جهتين الأولى
كلمة " هذا " والثانية " رجل " بهيأة النكرة ، مع العلم بأنهم يعرفون النبي ( صلى الله عليه وآله ) جيدا ،
ويعلمون بأن له ماضيا مشرقا .
من الجدير بالملاحظة أيضا أن القرآن وصف " الآيات " ب " البينات " ، أي أنها
تحمل دلائل حقانيتها معها ، وما هو قابل للمعاينة لا يحتاج إلى توضيح أو بيان .
ثم توضح الآية مقولتهم الثانية التي قصدوا بها إبطال دعوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فتقول :
وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى .
" إفك " كما ذكرنا سابقا بمعنى كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون
عليه ، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهاب " مؤتفكة " ، وأي صرف عن الحق في
الاعتقاد إلى الباطل ، ومن الصدق في المقال إلى الكذب ، ومن الجميل في الفعل
إلى القبيح . ولكن كما قال البعض ، فإن " الإفك " يطلق على الأكاذيب الكبيرة .
وكان يكفي استخدامهم لكلمة " الإفك " في اتهام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بالكذب ، لكنهم
أرادوا تأكيد ذلك المعنى باستخدامهم لكلمة " مفترى " ، دون أن يكون لهم أدنى
دليل على ذلك الادعاء .
وأخيرا ، كان الاتهام الثالث الذي ألصقوه بالرسول ( صلى الله عليه وآله ) هو ( السحر ) كما نرى
ذلك في آخر هذه الآية وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر
مبين .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 476
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٧٦