رزقكم إلا أن الكلام في الآيات محل البحث التي تتحدث عن العقاب يبدأ
الكلام فيها أولا بالإشارة إلى زوال النعم على أثر المعاصي والذنوب ، ثم الهلاك
على أثر الشرك ، لأنه عند الهبة والعطاء " أول الأمر يذكر الخلق ثم الرزق " . . وعند
الاسترجاع ، " فأول الأمر زوال النعمة ثم الهلاك " .
والتعبير ب كان أكثرهم مشركين مع الالتفات إلى أن هذه السورة مكية
وكان المسلمون في ذلك الوقت قلة ، فلعل ذلك إشارة إلى أن لا تخافوا من كثرة
المشركين ، لأن الله أهلك من قبلهم من هو أشد منهم ، وأكثر جمعا ، وهو في الوقت
ذاته إنذار للطغاة ليسيروا في الأرض فينظروا بأم أعينهم عاقبة الظالمين من
قبلهم ! .
وحيث أن التصور والوعي والانتباه ، ثم العودة والإنابة إلى الله ، كل ذلك
لا يكون - دائما - مفيدا ومؤثرا ، ففي الآية التالية يوجه القرآن الخطاب
للنبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) قائلا : فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له
من الله يومئذ يصدعون ( 1 ) أي يتفرقون " فريق في الجنة وفريق في السعير " .
ووصف الدين بأنه " قيم " مع ملاحظة أن " القيم معناه الثابت والقائم " هو
إشارة إلى أن هذا التوجه المستمر " أو الإقامة " هي للدين . . أي لأن الإسلام دين
ثابت ومستقيم وذو نظام قائم في الحياة المادية والمعنوية للناس ، فلا تمل عنه
أبدا ، بل أقم وجهك للدين القيم !
وإنما وجه الخطاب للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ليعرف الآخرون واجبهم ووظيفتهم أيضا .
والتعبير ب " يصدعون " من مادة " صدع " معناه في الأصل : كسر الإناء ، ثم
هامش
1 - كلمة " مرد " في جملة " لا مرد له من الله " مصدر ميمي وهو هنا بمعنى اسم الفاعل فيكون معنى الجملة : لا راد له
من الله . والضمير في " له " يعود إلى " يوم " ويكون المفهوم العام للجملة . لا يستطيع أي كان أن يعيد ذلك اليوم من الله ،
أي يقف بوجه القضاء والمحاكمة بتأخير ذلك اليوم و " تعطيله " .
والخلاصة : إنه لا يخلف الله وعده ليعيد ذلك اليوم ، وليس لأحد سواه القدرة على ذلك ، فوقوع ذلك اليوم لابد منه
وهو يوم محتوم " [ فلاحظوا بدقة ] .