أهون عليه ( 1 ) .
إن القرآن يثبت في هذه الآية - بأوجز الاستدلال - مسألة إمكان المعاد ، إذ
يقول لهم : إنكم تعتقدون أن بداية الخلق من قبل الله ، فعودة الخلق مرة أخرى
أيسر وأهون من بداية الخلق ! .
والدليل على أن عودة الخلق أهون من البداية ، هو أنه في البداية لم يكن
شئ ولكن الله هو الذي أبدعه ، وفي الإعادة توجد المواد الأصلية على الأقل ،
فبعضها في طيات التراب ، وبعضها متناثر في الفضاء ، وإنما تحتاج إلى نظم وإلى
إعطائها صورتها الأولى فحسب ، فهي أهون !
ولكن من الضروري أن نلتفت إلى هذه " اللطيفة " ، وهي أن التعبير بالهين
والصعب ، هو من خلال نافذتنا الفكرية ، وأما بالنسبة للقادر المطلق فلا فرق
عنده بين " الصعب والسهل " .
وأساسا فإن " الصعب والسهل " يصدقان مفهوما في مكان يكون الكلام عن
قدرة محدودة ، كأن يستطيع أحد أن يؤدي عملا بصورة جيدة ، والآخرة لا يؤديه
بصورة جيدة ، بل بمشقة ، أما حين يكون الكلام على قدرة لا حد لها ، فلا معنى
للصعب والهين هناك !
وبتعبير آخر : إن حمل " أعظم الجبال " على الأرض بالنسبة إلى الله وحمل
أخف الأشياء عليها عنده سواء ، لقدرته التي لا يعظم عليها شئ .
وربما كان لهذا السبب أن عقب القرآن في ذيل الآية مباشرة بالقول : وله
المثل الأعلى في السماوات والأرض .
لأننا لو تصورنا أي وصف كمالي لأي موجود في السماء والأرض ، من علم
هامش
1 - ينقل " الفخر الرازي " عن " الزمخشري " في تفسير الكشاف أن الله قال في شأن ولادة عيسى ( عليه السلام ) دون أب
" هو علي هين " ولأن كلمة " علي " مقدمة ، فهي دليل على الحصر ، أي إن هذا العمل سهل علي فحسب لا على سواي ،
أما في هذه الآية محل البحث فقد قال : سبحانه : وهو أهون عليه فلا يستفاد منها الحصر ، وهي إشارة إلى أن كل من
يستطيع أن يؤدي عملا في البداية فهو قادر على إعادته أيضا " فلاحظوا بدقة " .