قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ( 1 ) .
ومن أجل أن لا يسأل موسى : أليس لكما أب ؟ ولماذا رضي بارسال بناته
للسقي مكانه ، أضافتا مكملتين كلامهما وأبونا شيخ كبير فلا هو يستطيع أن
يسقي الأغنام ، وليس عندنا أخ يعينه على الأمر فلا حيلة لنا إلا أن نؤدي نحن
هذا الدور .
فتأثر موسى ( عليه السلام ) من سماعه حديثهما بشدة . فأي أناس هؤلاء لا ينصفون
المظلوم ، ولا هم لهم غير أنفسهم .
فتقدم وأخذ الدلو وألقاها في البئر . . يقال : إن هذه الدلو كان يجتمع عليها عدة
نفر ليخرجوها بعد امتلائها من الماء ، إلا أن موسى ( عليه السلام ) استخرجها بقوته وشكيمته
وهمته بنفسه دون أن يعينه أحد فسقى لهما أغنامهما .
ويقال : إن موسى ( عليه السلام ) حين اقترب من البئر لام الرعاء ، قال : أي أناس أنتم
لا هم لكم إلا أنفسكم ! وهاتان البنتان جالستان ؟ ! ففسحوا له المجال وقالوا له :
هلم واملأ الدلو ، وكانوا يعلمون أن هذه الدلو حين تمتلئ لا يستخرجها إلا
عشرة أنفار من البئر .
ولكن موسى ( عليه السلام ) بالرغم من تعب السير في الطريق والجوع ملأ الدلو
وسحبها بنفسه وسقى أغنام المرأتان جميعها . . ثم تولى إلى الظل وقال رب إني
لما أنزلت إلي من خير فقير .
أجل . . إنه متعب وجائع ، ولا أحد يعرفه في هذه المدينة ، فهو غريب ، وفي
الوقت ذاته كان مؤدبا وإذا دعا الله فلا يقول : رب إني أريد كذا وكذا ، بل يقول :
رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير أي إنه يكشف عن حاجته فحسب ، ويترك
الباقي إلى لطف الله سبحانه .
لكن هلم إلى العمل الصالح ، فكم له من أثر محمود ! وكم له من بركات
هامش
1 - " يصدر " مأخوذ من مادة " صدر " ومعناه الخروج من الماء ، " والرعاء " جمع راع ، وهو سائس الغنم .