تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
وأعمالهم . الإسلام واجه في عصر انبثاق الرسالة مجموعة لم تكن تملك الإخلاص اللازم للإيمان ، ولا القدرة اللازمة للمعارضة . هذه المجموعة المذبذبة المصابة بازدواج الشخصية توغلت في أعماق المسلمين ، وشكلت خطرا كبيرا على الإسلام والمسلمين . كان تشخيصهم صعبا لأنهم متظاهرون بالإسلام ، غير أن القرآن بين بدقة مواصفاتهم وأعطى للمسلمين في كل القرون والأعصار معايير حية لمعرفتهم . الآيات المذكورة قبلها بينت في مطلعها الخط العام للنفاق والمنافقين : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . هؤلاء يعتبرون عملهم المذبذب هذا نوعا من الشطارة والدهاء يخادعون الله والذين آمنوا بينما لا يشعر هؤلاء أنهم يسيئون بعملهم هذا إلى أنفسهم ، ويبددون بانحرافهم هذا طاقاتهم ، ولا يجنون من ذلك إلا الخسران والعذاب الإلهي . وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في الآية التالية يبين القرآن أن النفاق في حقيقته نوع من المرض . الإنسان السالم له وجه واحد فقط ، وفي ذاته انسجام تام بين الروح والجسد ، لأن الظاهر والباطن ، والروح والجسم ، يكمل أحدهما الآخر . إذا كان الفرد مؤمنا فالإيمان يتجلى في كل وجوده ، وإذا كان منحرفا فظاهره وباطنه يدلان على انحرافه . وازدواجية الجسم والروح مرض آخر وعلة إضافية . إنه نوع من التضاد والانفصال في الشخصية الإنسانية : في قلوبهم مرض . وبما أن سنة الله في الكون اقتضت أن يتيسر الطريق لكل سالك ، وأن تتوفر سبل التقدم لكل من يجهد في وضع قدمه على طريق . وبعبارة أخرى : إن تكريس أعمال الإنسان وأفكاره في خط معين ، تدفعه نحو الانغماس والثبات في ذلك الخط فقد أضاف القرآن قوله : فزادهم الله مرضا .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 94 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي