الاستفادة أيضا من تعليمات هاروت وماروت : وما أنزل على الملكين ببابل
هاروت وماروت ( 1 ) .
هاروت وماروت ملكان إلهيان جاءا إلى الناس في وقت راج السحر بينهم
وابتلوا بالسحرة والمشعوذين ، وكان هدفهما تعليم الناس سبل إبطال السحر ،
وكما إن إحباط مفعول القنبلة يحتاج إلى فهم لطريقة فعل القنبلة ، كذلك كانت
عملية إحباط السحر تتطلب تعليم الناس أصول السحر ، ولكنهما كانا يقرنان هذا
التعليم بالتحذير من السقوط في الفتنة بعد تعلم السحر وما يعلمان من أحد حتى
يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر .
وسقط أولئك اليهود في الفتنة ، وتوغلوا في انحرافهم ، فزعموا أن قدرة
سليمان لم تكن من النبوة ، بل من السحر والسحرة . وهذا هو دأب المنحرفين
دائما ، يحاولون تبرير انحرافاتهم باتهام العظماء بالانحراف .
هؤلاء القوم لم ينجحوا في هذا الاختبار الإلهي ، فأخذوا العلم من الملكين
واستغلوه على طريق الإفساد لا الإصلاح ، لكن قدرة الله فوق قدرتهم وفوق قدرة
ما تعلموه : فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، وما هم بضارين به من
أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم .
لقد تهافتوا على اقتناء هذا المتاع الدنيوي وهم عالمون بأنه يصادر آخرتهم
ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ( 2 ) . لقد باعوا شخصيتهم
الإنسانية بهذا المتاع الرخيص ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون .
لقد أضاعوا سعادتهم وسعادة مجتمعهم عن علم ووعي ، وغرقوا في مستنقع
الكفر والانحراف ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون .
* * *
هامش
1 - بعض المفسرين عطفوا جملة " ما أنزل " على " ما تتلوا " وعلى هذا الأساس فسرنا الآية أعلاه ، وبعضهم
عطفوها على ( السحر ) .
2 - الخلاق يعني الخلق ، وقد يعني الحظ والنصيب وهذا هو معنى الكلمة في الآية .