تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
للتنافس والنزاع . وهذا العالم المحدود المادي لا يستطيع أن يشبع طبيعة الحرص في الإنسان . وهذه الدنيا لو وضعت بأجمعها في فم الإنسان فقد لا تشبعه . وهذا الوضع - إن لم يقترن بالالتزام والشعور بالمسؤولية - يؤدي إلى الفساد وسفك الدماء . بعض المفسرين ذهب إلى أن تنبؤ الملائكة يعود إلى تجربتهم السابقة مع مخلوقات سبقت آدم ، وهذه المخلوقات تنازعت وسفكت الدماء وخلفت في الملائكة انطباعا مرا عن موجودات الأرض . هذه التفاسير الثلاثة لا تتعارض مع بعضها . وقد يكون موقف الملائكة من استخلاف آدم ناشئا عن هذه الأسباب الثلاثة معا . الملائكة بينوا حقيقة من الحقائق . ولذلك لم ينكر الله عليهم قولهم ، بل أشار إلى أن ثمة حقائق أخرى إلى جانب هذه الحقيقة ، حقائق ترتبط بمكانة الإنسان في الوجود ، وهذا ما لم تعرفه الملائكة . الملائكة يعلمون أن الهدف من الخلقة هو العبودية والطاعة ، وكانوا يرون في أنفسهم مصداقا كاملا لذلك ، فهم في العبادة غارقون . ولذلك فهم - أكثر من غيرهم - للخلافة لائقون ، غير عالمين أن بين عبادة الإنسان الملئ بألوان الشهوات ، والمحاط بأشكال الوساوس الشيطانية والمغريات الدنيوية وبين عبادتهم ، - وهم خالون من كل هذه المؤثرات - بون شاسع . فأين عبادة هذا الموجود الغارق وسط الأمواج العاتية ، من عبادة تلك الموجودات التي تعيش على ساحل آمن ؟ ! ماذا تعرف الملائكة من أبناء آدم أمثال محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإبراهيم ونوح وموسى وعيسى والأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) وعباد الله الصالحين والشهداء والمضحون من الرجال والنساء الذين قدموا وجودهم على مذبح العشق الإلهي ، والذين تساوي ساعة من تفكرهم سنوات متمادية من عبادة الملائكة .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 157 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي