فإن قيل : كيف يصحّ أن تكون الحركة المتقدّمة علة للمتأخّرة والمتقدّمة لا تبقى عند وجود المتأخرة ؟
يجاب : بأنّ النفوس « 1 » المحرّكة للسماويات لها إرادة كلّية ثابتة بحركة دائمة لغرض دائم الوصول ، وإرادة « 2 » جزئيّة من نقطة إلى أخرى « 3 » . فالإرادة الكلّية مع الوصول إلى النقطة علة لإرادة الحركة منها إلى غيرها . والإرادة علة الحركة والحركة علة « 4 » لإرادة الحركة منها إلى غيرها . والإرادة علة الحركة والحركة علة الوصول إلى ذلك الغير ، فلا زال الوصول مع الإرادة الكلية علة للإرادة الجزئية . والإرادة الجزئية علة للحركة ، والحركة علة للوصول وينضبط الكل بإرادة كليّة لا تنصرم . ولا تتوقّف إرادة جزئية على نفس حركة توقّفت « 5 » عليها - وإن توقفت على آخر من نوعها - فلا دور ممتنع . فصحّ أنّ الحركات السماوية لا يتصوّر انصرامها . ويدلّ دوامها على دوام السماويات وتنزّهها عن الكون والفساد .
( 63 ) والعقول التي هي المجردة عن علائق « 6 » الأجرام « 7 » من جميع الوجوه لا تتغيّر وإلّا أدّى تغيّرها إلى تغيّر واجب الوجود . والحوادث إنّما تحصل من المفارق لتجدّد استعداد القوابل لا لتغيّر الفاعل . ويجوز أن يكون فاعل غير متغير يحصل منه شيء في قابل بعد أن لم يكن ، لا لتغيّره ، بل لأنّ استعداد القابل كان جزءا للسّبب « 8 » وما كان محدثا فتمّ السبب فوجد الشيء . ويجوز أن يحصل من « 9 » فاعل واحد آثار مختلفة ، لا لاختلافه بل لاختلاف القوابل كالشمس تبيّض الثوب المقصور وتسوّد وجه القصّار .
والمفارق من جميع الوجوه إنّما يصح أن يكون محرّكا غير متحرك ؛ لأنّه يحرّك بالعشق والتشويق كالمعشوق الذي يتحرّك العاشق إليه لشوقه وفرط عشقه « 10 » وهو غير متحرك ، فقد حرّك من غير أن يتحرك « 11 » . والله أعلم بالصواب « 12 » وإليه « 13 » المرجع والمآب .
هامش
( 1 ) النفوس : النفسM.
( 2 ) وجود . . . وإرادة : -A.
( 3 ) أخرى : آخرM.
( 4 ) الحركة علة : -T.
( 5 ) توقفت : يتوقفM.
( 6 ) علائق : -A.
( 7 ) الأجرام : الأجسامM.
( 8 ) للسبب : السببM.
( 9 ) من : عنM.
( 10 ) وفرط عشقه : -TM.
( 11 ) وهو . . . يتحرك : وهو متحرك فقد حرك من غير تحركM، فقد حركت من غير أن يتحركA.
( 12 ) والله أعلم بالصواب : والله الهاديM.
( 13 ) وإليه المرجع والمآب : -T.