اعلم انّ كثيرا من المحقّقين قالوا بهذا القول ، و ذلك لأنّهم أرادوا الجمع بين الحكمة و الشريعة ، فقالوا دلّ العقل على أنّ سعادة الأرواح في معرفة اللّه تعالى و في محبته و على أنّ سعادة الأجساد في إدراك المحسوسات إلّا أنّ الاستقراء دلّ على أنّ الجمع بين هاتين السعادتين في الحياة الدّنياويّة غير ممكن « 1 » . و ذلك لأنّ الإنسان حال كونه مستغرقا في تجلّى أنوار عالم الغيب لا يمكنه ، الالتفات إلى شيء من « 2 » اللّذات الجسمانيّة . و حال كونه مشغولا باستيفاء « 3 » اللّذات الجسمانيّة لا يمكنه الالتفات إلى اللّذات الرّوحانيّة .
لكن هذا الجمع ، إنّما تعذر لأجل أن الأرواح البشريّة ضعيفة في هذا العالم ، فإذا ماتت و استمدت هذه الأرواح في عالم القدس و الطّهارة قويت و كملت فإذا اعيدت إلى الأبدان مرة اخرى لم يبعد أن تصير هناك قويّة قادرة على الجمع بين الأمرين و لا شكّ أنّ هذه الحالة هي الغاية القصوى في مراتب السّعادات .
و هذا المعنى لم يقم على امتناعه برهان عقلي و هو جمع بين الحكمة النبويّة و القوانين الفلسفيّة ، فوجب المضيّ إليه « 4 » .
و قال شارح المقاصد ؛ القائلون بالمعاد الروحاني فقط أو به ؛ و بالجسماني معا « 5 » يقولون بأنّ النّفوس النّاطقة مجرّدة باقية لا تفنى بخراب البدن ، لما سبق من الدّلائل . و يشهد بذلك نصوص الكتاب و السّنّة فلا حاجة للأوّلين إلى دليل على إثبات المعاد ، و لا للآخرين بعد إثبات حشر الأجساد ، لأنّ القول باحياء البدن مع تعلّق نفس اخرى به بتدبّر أمره و بقاء نفسه معطّلة أو
هامش
( 1 ) ب : غير ممكنة .
( 2 ) ب : « شيء من » ندارد .
( 3 ) ب : استيعاب .
( 4 ) كتاب الأربعين : ص 300 ، الفصل السابع من المسألة الثلاثين ، و فى المصدر فى آخر كلامه : فوجب المصير إليه .
( 5 ) فى شرح المقاصد : و بالجسمانى جميعا هم الذين يقولون . . . .