تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
فإن الله تعالى ناصرك عليهم ، أو شفقة عليهم حيث لم يوفقوا للهداية فإن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء . * ( منَ الَّذينَ قَالُواْ آمَنَّا بأَفْوَاههمْ ) * بيان للمسارعين في الكفر ، وقال أبو البقاء : إنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل * ( يسارعون ) * أو من الموصول أي كائنين من الذين الخ ، والباء متعلقة - بقالوا - لا - بآمنا - لظهور فساده وتعلقها به على معنى - بذي أفواههم - أي يؤمنون بما يتفوهون به من غير أن تلتف به قلوبهم مما لا ينبغي أن يلتفت إليه من له أدنى تمييز * ( وَلَمْ تُؤْمن قُلُوبُهُمْ ) * جملة حالية من ضمير * ( قالوا ) * ، وقيل : عطف على * ( قالوا ) * . وقوله سبحانه وتعالى : * ( وَمَنَ الَّذينَ هَادُواْ ) * عطف على * ( من الذين قالوا ) * وبه تم تقسيم المسارعين إلى قسمين : منافقين ويهود ، فقوله سبحانه وتعالى : * ( سَمَّاعُونَ للْكَذب ) * خبر مبتدأ محذوف أي هم سماعون والضمير للفريقين أو للذين يسارعون ، وجوز أن يكون - للذين هادوا - واعترض بأنه مخل بعموم الوعيد الآتي ومباديه للكل - كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى - وكذا جعل غير واحد * ( ومن الذين ) * الخ خبراً على أن * ( سماعون ) * صفة لمبتدأ محذوف ، أي ومنهم قوم سماعون لأدائه إلى اختصاص ما عدد من القبائح وما يترتب عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم ، على أنه قد قرئ - سماعين - بالنصب على الذم وهو ظاهر في أرجحية العطف ، فالوجه ذلك ، واللام للتقوية كما في قوله تعالى : * ( فعال لما يريد ) * ( البروج : 16 ) ، وقيل : لتضمين السماع معنى القبول أي قابلون لما يفتريه الأحبار من الكذب على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وتحريف كتابه ، واعترضه الشهاب بأن هذا يقتضي أنه إنما فسر بالقبول ليعديه اللام . وقد قال الزجاج : يقال : لا تسمع من فلان أي لا تقبل ، ومنه سمع الله لمن حمده أي تقبل منه حمده ، وكلام الجوهري يخالفه أيضاً ، ويقتضي أنه ليس مبنياً على التضمين ، وقال عصام الملة : إن القبول أيضاً متعد بنفسه ففي " القاموس " قبله - كعمله - وتقبله بمعنى أخذه ، نعم يتعدى السماع بمعنى القبول باللام بمعنى من ، كما في - سمع الله لمن حمده - أي قبل الله تعالى ممن حمده ، لكن هذه اللام تدخل على المسموع منه لا المسموع . وجوز أن تكون اللام للعلة ، والمفعول محذوف أي سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه بأن يمسخوه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ، أو كلام الناس الدائر فيما بينهم ليكذبوا بأن يرجفوا بقتل المؤمنين وانكسار سراياهم ، أو نحو ذلك مما فيه ضرر بهم ، وأياً ما كان فالجملة مستأنفة جارية - على ما قيل - مجرى التعليل للنهي ، أو مسوقة لمجرد الذم كما يقتضيه قراءة النصب . وقوله تعالى شأنه : * ( سماعون لقَوْم آخَرينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) * خبر ثان للمبتدأ المقدر ( مقرر ) للأول ، ومبين لما هو المراد بالكذب على تقدير التقوية والتضمين ، واللام هنا مثلها في - سمع الله لمن حمده - والمعنى مبالغون في قبول كلام قوم آخرين ، واختاره شيخ الإسلام . وجوز كونها لام التعليل أي سماعون كلامه صلى الله عليه وسلم الصادر منه ليكذبوا عليه لأجل قوم آخرين ، والمراد أنهم عيون عليه عليه الصلاة والسلام لأولئك القوم ، وروي ذلك عن الحسن . والزجاج ، واختاره أبو علي الجبائي ، وليس في النظم ما يأباه ولا بعد فيه ، نعم ما قيل : من أنه يجوز أن تتعلق اللام بالكذب على أن * ( سماعون ) * الثاني مكرر للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقوم آخرين بعيد ، و * ( آخرين ) * صفة * ( لقوم ) * وجملة * ( لم يأتوك ) * صفة أخرى ، والمعنى لم يحضروا عندك ، وقيل : هو كناية عن أنهم لم يقدروا أن ينظروا إليك ، وفيه دلالة على شدة بغضهم له صلى الله عليه وسلم وفرط عداوتهم ، واحتمال كونها صفة