تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
هذا - أن النصب على وجه واحد ، وهو بناء الاسم على فعل الأمر ، والرفع على وجهين ، أحدهما : ضعيف وهو الابتداء ، وبناء الكلام على الفعل ، والآخر : قوي بالغ كوجه النصب ، وهو رفعه على خبر ابتداء محذوف دل عليه السياق ، وإذا تعارض لنا وجهان في الرفع ، أحدهما قوي والآخر ضعيف تعين حمل القراءة على القوي كما أعربه سيبويه رحمه الله تعالى ورضي عنه " انتهى . والفاء إذا بني الكلام على جملتين سببية لا عاطفة ، وقيل : زائدة وكذا على الوجه الضعيف ، فإن المبتدأ متضمن معنى الشرط إذ المعنى والذي سرق والتي سرقت ، وزعم بعض المحققين أن مثل هذا التركيب لا يتوجه إلا بأحد أمرين : زيادة الفاء كما نقل عن الأخفش ، أو تقدير إما لأن دخول الفاء في خبر المبتدأ إما لتضمنه معنى الشرط ، وإما لوقوع المبتدأ بعد أما ، ولما لم يكن الأول وجب الثاني ولا يخفى ما فيه ، وعلى قراءة عيسى بن عمر يكون النصب على إضمار فعل يفسره الظاهر ، والفاء أيضاً - كما قال ابن جني - لما في الكلام من معنى الشرط ، ولذا حسنت مع الأمر لأنه بمعناه ، ألا تراه جزم جوابه لذلك إذ معنى أسلم تدخل الجنة إن تسلم تدخل الجنة ، والمراد كما يشير إليه بعض شروح " الكشاف " إذ أردتم حكم السارق والسارقة فاقطعوا الخ ، ولذا لم يجز زيداً فضربته لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط إذا كان ماضياً ، وتقديره إن أردتم معرفة الخ أحسن من تقديره إن قطعتم لأنه لا يدل على الوجوب المراد ، وقال أبو حيان : إن الفاء في جواب أمر مقدر أي تنبه لحكمهما فاقطعوا ، وقيل : إنما دخلت الفاء لأن حق المفسر أن يذكر عقب المفسر كالتفصيل بعد الإجمال في قوله تعالى : * ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) * ( البقرة : 54 ) وليس بشيء ، وبما ذكر صاحب " الانتصاف " يعلم فساد ما قيل : إن سبب الخلاف السابق في مثل هذا التركيب أن سيبويه والخليل يشترطان في دخول الفاء الخبر كون المبتدأ موصولاً بما يقبل مباشرة أداة الشرط ، وغيرهما لا يشترط ذلك ، والظاهر أن سبب هذا عدم الوقوف على المقصود فليحفظ . والسرقة أخذ مال الغير خفية ، وإنما توجب القطع إذا كان الأخذ من حرز ، والمأخوذ يساوي عشرة دراهم فما فوقها ، مع شروط تكفلت ببيانها الفروع ، ومذهب الشافعي والأوزاعي وأبي ثور والإمامية رضي الله تعالى عنهم أن القطع فيما يساوي ربع دينار فصاعداً ، وقال بعضهم : لا تقطع الخمس إلا بخمسة دراهم ، واختاره أبو علي الجبائي ، قيل : يجب القطع في القليل والكثير - وإليه ذهب الخوارج - والمراد بالأيدي الأيمان - كما روي عن ابن عباس والحسن والسدي وعامة التابعين رضوان الله عليهم أجمعين - ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه - أيمانهما - ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله : * ( فقد صغت قلوبكما ) * ( التحريم : 4 ) اكتفاءاً بتثنية المضاف إليه كذا قالوا قال الزجاج : وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ، ولفظ به على الجمع لأن الإضافة تبينه ، فإذا قلت : أشبعت بطونهما علم أن للإثنين بطنين فقط . وفرع الطيبي عليه عدم استقامة تشبيه ما في الآية هنا بما في الآية الأخرى لأن لكل من السارق يدين فيجوز الجمع ، وأن تقطع الأيدي كلها من حيث ظاهر اللغة وكذا قال أبو حيان ، وفيه نظر لأن الدليل قد دل على أن المراد من اليد يد مخصوصة وهي اليمين فجرت مجرى القلب والظهر ؛ واليد اسم لتمام العضو ، ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقْطع هو المنكب ، والإمامية على أنه يقطع من أصول الأصابع ويترك له الإبهام والكف ، ورووه عن علي كرم الله تعالى وجهه ، واستدلوا عليه أيضاً بقوله تعالى : * ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) * ( البقرة : 79 ) إذ لا شك في أنهم إنما يكتبونه بالأصابع ، وأنت تعلم أن هذا لا يتم به الاستدلال على ذلك المدعي ، وحال روايتهم