تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
أظهر من أن تخفى ، والجمهور على أن المقطع هو الرسغ ، فقد أخرج البغوي وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " من حديث الحرث بن أبي عبد الله بن أبي ربيعة " أنه عليه الصلاة والسلام أتي بسارق فأمر بقطع يمينه منه " والمخاطب بقوله سبحانه : * ( فاقطعوا ) * على ما في " البحر " الرسول صلى الله عليه وسلم أو ولاة الأمور كالسلطان ومن أذن له في إقامة الحدود ، أو القضاة والحكام ، أو المؤمنون أقوال أربعة ، ولم تدرج السارقة في السارق تغليباً كما هو المعروف في أمثاله لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في الزجر . * ( جَزَاءً ) * نصب على أنه مفعول له أي فاقطعوا للجزاء ، أو على أنه مصدر - لأقطعوا - من معناه ، أو لفعل مقدر من لفظه ، وجوز أن يكون حالاً من فاعل - اقطعوا - مجازين لهما * ( بمَا كَسَبَا ) * بسبب كسبهما ، أو ما كسباه من السرقة التي تباشر بالأيدي وقوله تعالى : * ( نكالا ) * مفعول له أيضاً - ما قال أكثر المعربين - وقال السمين : منصوب كما نصب * ( جزاءً ) * ، واعترض الوجه الأول بأنه ليس بجيد لأن المفعول له لا يتعدد بدون عطف واتباع لأنه على معنى اللام ، فيكون كتعلق حرفي جر بمعنى بعامل واحد وهو ممنوع ، ودفع بأن النكال نوع من الجزاء فهو بدل منه ، وقال الحلبي وبعض المحققين : إنه إنما ترك العطف إشعاراً بأن القطع للجزاء والجزاء للنكال والمنع عن المعاودة ، وعليه يكون مفعولاً له متداخلاً كالحال المتداخلة ، وبه أيضاً يندفع الاعتراض وهو حسن ، وقال عصام الملة : إنما لم يعطف لأن العلة مجموعهما - كما في هذا خلو حامض - والجزاء إشارة إلى أن فيه حق العبد ، والنكال إشارة إلى أن فيه حق الله تعالى ، ولا يخفى ما فيه فتأمل ، ونقل عن بعض النحاة أنه أجاز تعدد المفعول له بلا اتباع وحينئذ لا يرد السؤال رأساً ، وقوله تعالى : * ( مِّنَ الله ) * متعلق بمحذوف وقع صفة نكالاً أي نكالاً كائناً منه تعالى * ( واللَّهُ عَزيزٌ ) * في شرع الردع * ( حَكيمٌ ) * في إيجاب القطع ، أو عزيز في انتقامه من السارق وغيره من أهل المعاصي حكيم في فرائضه وحدوده ، والإظهار في مقام الإضمار لما مر غير مرة . ومن الغريب أنه نقل عن أبيّ رضي الله تعالى عنه أنه قرأ - والسرق والسرقة - بترك الألف وتشديد الراء ، فقال ابن عطية : إن هذه القراءة تصحيف لأن السارق والسارقة قد كتبا في المصحف بدون الألف ، وقيل : في توجيهها أنهما جمع سارق وسارقة ، لكن قيل : إنه لم ينقل هذا الجمع في جمع المؤنث ؛ فلو قيل : إنهما صيغة مبالغة لكان أقرب ، واعترض - الملحد - المعري على وجوب قطع اليد بسرقة القليل فقال : يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار تحكم ما لنا إلا السكوت له * وأن نعوذ بمولانا من النار فأجابه - ولله دره - علم الدين السخاوي بقوله : عز الأمانة : أغلاها وأرخصها * ذل الخيانة فافهم حكمة الباري وفي " الأحكام " لابن عربي ( 2 / 618 ) " أنه كان جزاء السارق في شرع من قبلنا استرقاقه ، وقيل : كان ذلك إلى زمن موسى عليه الصلاة والسلام ونسخ ، فعلى الأول : شرعنا ناسخ لما قبله ، وعلى الثاني : مؤكد للنسخ " . . * ( فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . * ( فَمَنْ تَابَ ) * من السرّاق إلى الله تعالى * ( من بَعْد ظُلْمه ) * الذي هو سرقته ، والتصريح بذلك لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته * ( وَأَصْلَحَ ) * أمره بالتفصي عن التبعات بأن يرد مال السرقة إن أمكن . أو يستحل لنفسه من مالكه