وفي جريان الإحصان الشرعي الموجب للرجم في الكافر ما هو مذكور في الفروع ، ولعل هذا عند من يشترط الإسلام - كالإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه - كان على اعتبار شريعة موسى عليه الصلاة والسلام ، أو كان قبل نزول الجزية فليتدبر .
* ( وَمَن يُرد اللَّهُ فتْنَتَهُ ) * أي عذابه كما روي عن الحسن وقتادة واختاره الجبائي وأبو مسلم ، أو إهلاكه كما روي عن السدي والضحاك ، أو خزيه وفضيحته بإظهار ما ينطوي عليه كما نقل عن الزجاج ، أو اختياره بما يبتليه به من القيام بحدوده فيدفع ذلك ويحرفه - كما قيل - وليس بشيء ، والمراد العموم ويندرج فيه المذكورون اندراجاً أولياً ، وعدم التصريح بكونهم كذلك للإشعار بظهوره واستغنائه عن الذكر * ( فَلَن تَمْلكَ لَهُ ) * فلن تستطيع له * ( منَ الله شَيْئاً ) * في دفع تلك الفتنة ، والفاء جوابية ، و * ( من الله ) * متعلق - بتملك - أو بمحذوف وقع حالاً من * ( شيئاً ) * لأنه صفته في الأصل أي شيئاً كائناً من لطف الله تعالى ؛ أو بدل الله عز اسمه ، و * ( شيئاً ) * مفعول به - لتملك - وجوز بعض المعربين أن يكون مفعولاً مطلقاً ، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها ، أو مبينة لعدم انفكاك أولئك عن القبائح المذكورة أبداً .
* ( أولئك ) * أي المذكورون من المنافقين واليهود ، و * ( ما ) * في اسم الإشارة من معنى البعد لما مرت الإشارة إليه مراراً ، وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه : * ( الَّذِينَ لَمْ يُرد اللَّهُ أن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ) * من رجس الكفر وخبث الضلالة ، والجملة استئنافية مبينة لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم المقتضي لها لا واقعة منه سبحانه ابتداءاً ، وفيها - كالتي قبلها على أحد التفاسير - دليل على فساد قول المعتزلة : إن الشرور ليست بإرادة الله تعالى وإنما هي من العباد ، وقول بعضهم : إن المراد لم يرد تطهير قلوبهم من الغموم بالذم والاستخفاف والعقاب ، أو لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئة منه ممدوحة بالإيمان - كما قال البلخي - لا يقدم عليه من له أدنى ذوق بأساليب الكلام .
ومن العجيب أن الزمخشري لما رأى ما ذكر خلاف مذهبه قال : " معنى * ( من يرد الله فتنته ) * من يرد تركه مفتوناً وخذلانه * ( فلن تملك له من الله شيئاً ) * فلن تستطيع له من لطف الله تعالى وتوفيقه شيئاً ، ومعنى * ( لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) * لم يرد أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أن ذلك لا ينجع فيهم ولا ينفع " انتهى .
وقد تعقبه ابن المنير بقوله : " كم يتلجلج والحق أبلج ، هذه الآية كما تراها منطبقة على عقيدة أهل السنة في أن الله تعالى أراد الفتنة من المفتونين ولم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر ، لا كما تزعم المعتزلة من أن الله تعالى ما أراد الفتنة من أحد ، وأراد من كل أحد الإيمان وطهارة القلب ، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته سبحانه وأن غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد ولكن لم يقع ، فحسبهم هذه الآية وأمثالها لو أراد الله تعالى أن يطهر قلوبهم من وضر البدع * ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) * ( محمد : 24 ) ، وما أبشع صرف الزمخشري هذه الآية عن ظاهرها بقوله : لم يرد الله تعالى أن يمنحهم ألطافه لعلمه أن ألطافه لا تنجع ، تعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون ، وإذا لم تنجع ألطاف الله تعالى ولم تنفع ، فلطف من ينفع وإرادة من تنجع ؟ ! . وليس وراء الله للعبد مطمع "
انتهى ، وتقصيهم عن ذلك عسير .
* ( لَهُمْ في الدُّنْيَا خزْيٌ ) * أما المنافقون فخزيهم فضيحتهم وهتك سترهم بظهور نفاقهم بين المسلمين ، وازدياد غمهم بمزيد انتشار الإسلام وقوة شوكته وعلو كلمته ، وأما خزي اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور كذبهم في كتمان نص التوراة وإجلاء بني النضير من ديارهم ، وتنكير * ( خزي ) * للتفخيم وهو مبتدأ و * ( لهم ) * خبره ، و * ( في الدنيا ) * متعلق بما تعلق
تفسير الآلوسي — صفحة 139
مساهمون: الآلوسي
ص١٣٩