وَ هُمْ مُعْرِضُونَ »
« 1 » . و المعنى : ان كل ما كان حاصلا فانّه يجب ان يعلم فعدم علم اللّه بوجوده من لوازم عدمه ، فلا جرم حسن التّعبير عن عدمه فى نفسه ، لعدم علم اللّه بوجوده ، و تقدير الكلام لو حصل فيهم خير لاسمعهم اللّه الحجج و المواعظ سماع تعليم و تفهيم بعد ان علم انّه لا خير فيهم لم ينتفعوا بها و تولّوا و هم معرضون . قيل انّ الكفار سألوا الرّسول عليه الصّلاة و السّلم ان يحيى لهم قصىّ بن كلاب و غيرهم من امواتهم لتحيّر و هم بصحّة نبوّتهم ، فبيّن تعالى . انّه لو علم فيهم خيرا و هو انتفاعهم لقول هؤلاء الاموات لاحياهم حتّى سمعوا كلامهم . و لكنّه تعالى علم منهم انّهم لا يقولون هذا الكلام الاعلى ، سبيل العناد و التعنّت و انّهم لو اسمعهم اللّه كلامهم لتولّوا عن قبول الحقّ و لا عرضوا عنه و فى هذه الآية مسائل :
المسألة الاوّلى : انّه تعالى حكم عليهم بالتّولّي عن الدّلايل و بالاعراض عن الحق .
و انّهم لا يقبلونه البتة و لا ينتفعون به . فيقول وجب ان يكون صدور الايمان منهم محالا . لانّه لو صدر الايمان لكان امّا ان يوجد ذلك الايمان مع بقاء هذا الحبر صدقا او مع انقلابه كذبا . و الاوّل محالا لانّ وجود الايمان مع انّ الاخبار عن عدم الايمان يكون صدقا جمع بين النقيضين ، و هو محال . و الثانى محال لان انقلاب خبر اللّه الصّدق كذبا محال ، لا سيما فى الزّمان المنقضى و هكذا القول فى انقلاب علم اللّه جهلا و تقريره سبق مرارا .
المسألة الثانية : النّحويّون يقولون كلمة لو وضعت للدّلالة على انتفاء الشىء لاجل انتفاء غيره . و اذا قلت لو جئتنى لأكرمتك افاد انّه ما حصل المجيء و ما حصل الاكرام و من الفقهاء ، من قال انّه لا يفيد الّا الاستلزام . فامّا الانتفاء لاجل انتفاء الغير فلا يفيده هذا اللّفظ ، و الدّليل عليه الآية ، و الخير امّا الآية ، فهى هذه الآية [ 123 ] و تقديره ان كلمة لو افادت ما ذكروه لكان قوله :
« وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ »
« 2 » .
يقتضى انّه تعالى ما علم فيهم خيرا و ما اسمعهم . ثمّ قال و لو اسمعهم لتولّوا فيكون معناه انّه ما اسمعهم و انّهم ما تولّوا لكن عدم التولّى خير من الخيرات . فاوّل الكلام يقتضى نفى الخير و آخره يقتضى حصول الخير و ذلك متناقض فثبت انّ القول بأنّ كلمة لو يفيد انتفاء الشّيء لانتفاء غيره يوجب هذا التّناقض ، فوجب ان لا يصار اليه ، و امّا الخير . فقوله عليه السّلم : نعم الرّجل صهيب لو لم يحف اللّه لم يعصه ، فلو كان لفظة لو يفيد ما ذكروه
هامش
( 1 ) - الانفال ( 8 ) : 23
( 2 ) - الانفال ( 8 ) : 23