وقد أجيب - ويجاب - عن هذا الكلام من عدّة جهات :
الجواب الأوّل : إنّ أدلّة حرمة الغيبة وتتبّع عورات الناس وعثراتهم ليست بفوق أن تحكمها العناوين الثانوية والأدلّة الحاكمة الضروريّة ؛ فنحن أمام مفترق طرق ، إما أن نمتنع عن تتبّع حال الرواة لأجل محذور شرعي أو أخلاقي ، وهذا فيه محذور ضياع الأحكام ودخول ما ليس من الدين فيه ، وإقحام آلاف الروايات المدسوسة في مصادر المسلمين في الدين عن كذابين معروفين ، أو نتتبّع عثراتهم لكي نحمي الدين والسنّة الشريفة من الدسّ والتزوير الذي يترك أثره على مجمل معرفتنا الدينية وحياتنا ، فالعنوان الثانوي والدليل الحاكم وقوانين التزاحم مع الانحصار بهذا الطريق مقدَّمة هنا « 1 » .
وهذا الجواب قد يناقش :
أولًا : إنّ الدليل الحاكم المدّعى هنا محلّ نظر ؛ إذ كما أنّ عدم البحث الرجالي قد يورّطنا في السنّة المدسوسة في الدين ، كذلك البحث الرجالي قد يُفقدنا - من وجهة نظر الرافضين له - بعض السنّة الواقعيّة ما دامت النتائج الرجاليّة غير حاسمة في معطياتها ، وأيضاً غير مستوعبة في استقصائها وتعيينها لكلّ صادق وكلّ كاذب ؛ فإذا كذّبوا شخصاً على أساس نقل شخصٍ عن شخص ، فربما يكون المدّعى كذبه صادقاً ، فتضيع علينا الأحاديث الصحيحة الواقعيّة ؛ وهذا ما تواجهه أيضاً حتى نظريّتنا في حجية علم الرجال ، فإذا كان علم الرجال يحمينا من الدسّ ، فإنه أيضاً قد يورّطنا في الحذف ؛ بل هذا ما يذهب إليه غير واحد من نقّاد علم الرجال من أنّه يمزّق حديث أهل البيت ، ويُفقدنا روايات كثيرة ، وتضيع به نصوصٌ شريفة عديدة ، وغير ذلك من التعابير ، فكيف يُجعل البحث الرجالي رافعاً لمشكلة الدسّ في الحديث ولا يُلحظ مورِّطاً لنا في مشكلة ضياع بعض واقعيّات
هامش
( 1 ) انظر : توضيح المقال : 54 ؛ وعبد النبي الجزائري ، حاوي الأقوال 1 : 93 - 94 ؛ والكجوري ، الفوائد الرجالية : 72 ؛ والمامقاني ، تنقيح المقال 1 : 176 ؛ والسبحاني ، كليات في علم الرجال : 40 ؛ والهادوي الطهراني ، تحرير المقال : 14 ؛ وآصف محسني ، بحوث في علم الرجال : 13 ؛ والإيرواني ، دروس تمهيدية : 101 ؛ ومقياس الرواة : 18 .