معضلات الفنّ عند الفقهاء ، على حدّ تعبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء « 1 » ، ولا بأس ببحث الموضوع بأكمله ، ليظهر لنا الحكم في المسألة التي نحن بصددها .
ولابد لنا أن نشير إلى بعض الأمور التمهيديّة ، وهي :
1 - الإجارة والارتزاق ، تفكيك مفاهيمي
إنّ البحث هنا وفي كل مسألة أخذ الأجرة على الواجبات ، إنما هو في الإجارة لا في الارتزاق ، وهذا ما تعرّضوا له في غير موضعٍ من الفقه ، مثل حديثهم عن ارتزاق القاضي والمفتي والمؤذّن والشاهد وكاتب الإمام والمعلّم وصاحب الديوان والولاة و . . فهؤلاء هم المرتزقة من بيت المال « 2 » ، وقد ذكر بعضهم أنّ الارتزاق يكون من خلال تقديم مبلغ مالي شهري ، وإذا صار المبلغ سنويّاً سمّي بالعطاء « 3 » ، وإن كان هذا التمييز غير مهمّ في مسألتنا ؛ لأنّ روح الرزق والعطاء واحدة .
لكن ما الفرق بين الإجارة والرزق أو الارتزاق ؟
ظهرت في كلمات الفقهاء أكثر من رؤية هنا :
1 - إنّ الإجارة تعني وقوع عقد بين الطرفين تتحدّد فيه الموضوعات والشروط والمدّة والأجرة ونحو ذلك ، ويشكّل عقداً ملزماً للمستأجر والأجير ، وهذا على خلاف الارتزاق ، إذ يراد به أن يصرف الحاكم الشرعي أو الدولة مخصّصات مالية لبعض الأفراد بحسب ما تراه مناسباً دون أن يكون ذلك ضمن عقد إجارة ملزِم ، ولذلك عرّف الشهيد الأوّل الرزق بأنه عبارة عن : « إحسان ومعروف ، وإعانة من الإمام على قيامٍ بمصلحة عامّة ، وليس فيه معاوضة » « 4 » .
هامش
( 1 ) محمد حسين آل كاشف الغطاء ، تحرير المجلّة 1 : 201 ؛ مادّة : 570 .
( 2 ) راجع : الشهيد الثاني ، الروضة البهية 3 : 71 - 72 .
( 3 ) راجع : ابن حجر ، فتح الباري 13 : 132 ؛ وابن عابدين ، حاشية ردّ المحتار 4 : 404 .
( 4 ) القواعد والفوائد 2 : 126 ؛ والسيوري ، نضد القواعد الفقهية : 344 ؛ وانظر : مسالك