رابعاً : ما هو الأصحّ في الجواب ، وهو أنّ المطالع لنصوص الاستخارة على أنواعها يجد لسان التوجيه والترغيب من أهل البيت على القيام بهذا الفعل والحثّ على مشاورة الله تعالى قبل مشاورة العبيد ، بل هناك في جملةٍ من النصوص استخدام صيغ الأمر ، مثل : « إذا أردت أمراً فصلّ ركعتين . . » ، « إذا هممت بأمرٍ فاستخر ربّك . . » ، « ما لأحدكم إذا ضاق به الأمر ذرعاً أن لا يتناول المصحف بيده . . » ، « إذا أردت أمراً فخذ ست رقاع . . » . وهذا السياق العام - مهما كان ملاكه وأنّه لمعرفة الرشد في الفعل أو لمعرفة مستقبل الفعل - هو سياق حاثّ على هذا الأداء قبل القيام بأيّ فعل . نعم ، جملةٌ من روايات الاستخارة يصعب فيها ذلك ، كأن تكون معلّقةً على إرادة الاستخارة « إذا أردت الاستخارة فافعل كذا وكذا . . » .
وعليه ، فنصوص الاستخارة يمكن من بينها الحصول على نصوص لا يختلف لسانها عن لسان سائر المندوبات المشمولة لقاعدة التسامح في أدلّة السنن .
هذا كلّه جرياً على طريقة الفقهاء الملتزمين بقانون التسامح في أدلّة السنن ، والحقّ أنّ الأمر مبنائي ، وذلك :
1 - إنّ شمول الاستخارة لقانون التسامح مبنيٌّ على ثبوت قاعدة التسامح ، وقد حقّقنا في أبحاثنا الأصوليّة أنّ هذه القاعدة غير ثابتة ، بل لم يثبت حجيّة رواياتها أساساً ، اعتماداً على قانون اختصاص الحجيّة بالمطمأن بصدوره ، فإنّ الدالّ منها - على ما حقّقناه - لا يزيد عن ثمانية روايات بينها واحدة صحيحة السند فقط ، وقد شرحنا هناك الأسباب التي تحول دون انعقاد اطمئنان بصدور هذا العدد القليل من النصوص ، فضلًا عن وجود معنى آخر لهذه النصوص شرحناه في محلّه .
2 - إنّ أخبار من بلغ تثبت - على تقديره - كلّ ما له دخل ببلوغ الثواب ، أما الجوانب التي لا دخل لها ببلوغ الثواب ، من الكشف عن المستقبل فلا علاقة لها
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 208
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٠٨