المؤمنين عليه السلام لا يثبت ذلك ؛ لأنّه فعل صامت ويمكن أن يكون بملاك أنّ الظرف لم يكن يسمح بغير ذلك ، بحيث كان اختيار ذلك بمثابة ترجيح للأولويات الزمنية لا عملًا بمقتضى القاعدة الشرعية الأوّليّة في الموضوع ، علماً أنّنا بحثنا مفصّلًا في محلّه عن شرعية الجهاد الابتدائي وأنكرنا وجود هذا الجهاد في الشريعة الإسلامية « 1 » - خلافاً لمشهور الفقهاء - فإذا أريد للإمام علي بن أبي طالب أن يقدّم جهاد البغاة على غيرهم ، فلابدّ من إثبات وجود اعتداء من طرف الكفار في زمان خلافته على أطراف بلاد المسلمين ، مع سكوته عليه السلام عن ذلك مفضّلًا جهاد البغاة ، وهو أمر يصعب تأكيده تاريخياً ، ولو أكّدناه لم يمكن استبعاد الترجيح الزمني لملاك المصالح الوقتية .
وحتى لو لم نثبت أفضليّة جهاد البغاة على جهاد الكفار ، مع ذلك يظلّ جهاد أهل البغي - ضمن التعريف العام لمفهوم البغي - موضوعاً بالغ الأهميّة جدّاً في سياق علاقات المسلمين ببعضهم ؛ لأنّ ما سنرجّحه لاحقاً - إن شاء الله سبحانه - هو أنّ المراد بالبغي مطلق الاعتداء المسلّح أو نحوه من طرف جماعةٍ مسلمة على أخرى ، ولا يقف عند حدود الخلاف بين السلطة والمعارضة ، وهذا يعني أنّ قضيّة البغي تستوعب تمام النزاعات الداخل - إسلامية ، ومن ثمّ فهذا الموضوع يحدّد المعايير الفقهية والأخلاقية في علاقات الدول الإسلامية ببعضها ، وكذلك الجماعات والأحزاب والقوى والتيارات السياسية والاجتماعية والثقافية ، بل والعشائر والقبائل أيضاً ، وهو ما يمنحه ضرورته الخاصّة التي تحتاج إلى المزيد من التأصيل الفقهي الإسلامي .
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حب الله ، الجهاد الابتدائي الدعوى ، دراسة استدلالية في مبادئ العلاقات الدولية في الإسلام ، مجلة الاجتهاد والتجديد ، الأعداد 8 - 12 ، عام 2007 - 2008 م .