فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي )
« 1 » ، فإنّ هذا الجواب يفيد أن موسى نفسه كان أمر أخاه هارون أن لا يفرّق أمر بني إسرائيل ، وأن هارون كان يريد مواجهتهم لكنّه لم يكن قادراً على حسم الموقف لصالحه واقتلاع أساس الفتنة ، وكأنّ موازين القوى بين جماعته وجماعة السامريّ كانت متعادلة أو كان أضعف منهم ، لا سيما حسبما تشير إليه الآية الأخرى :
( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي . . )
« 2 » .
من هنا ، قدّم هارون وحدة بني إسرائيل على دعوتهم للحقّ ، ولم يشأ إيقاع الفُرقة بينهم رغم ضلالهم ، وهذا تعبير ظريف عن ترتيب الأولويات ترتيباً دقيقاً . وهذا في الجملة ما أقرّ به غير واحد من المفسّرين المسلمين « 3 » .
واللطيف أننا لو ضممنا هذا الحدث إلى أمر موسى لهارون لما استخلفه على القوم ، لوجدنا القرآن يعبّر عنه بقوله :
( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )
« 4 » . . . ولفهمنا أنّ عدم تفريق بني إسرائيل هو حُسن خلافة وإصلاح وعدم اتّباع لسبيل المفسدين ، أو لا أقلّ يصدق عليه واحدٌ منها ، مما يعني أنّ الحفاظ على وحدة الأمّة إصلاحٌ في الأرض وعدم إفساد ، وهو حُسن إدارة للمجتمع وللمؤمنين ؛ ولهذا كان من الأولويات الكبرى في تسيير أمور الأمة ؛ فإذا لم يتمكّن الفريق المحقّ من قلع أساس الفتنة والانحراف فعليه أن
هامش
( 1 ) طه : 92 - 94 .
( 2 ) الأعراف : 150 .
( 3 ) انظر : التبيان 7 : 201 ؛ وجامع البيان 16 : 253 ؛ وجوامع الجامع 2 : 497 ؛ ومجمع البيان 7 : 51 ؛ والأصفى 2 : 767 - 768 ؛ والميزان 14 : 194 ؛ والنحاس ، معاني القرآن 3 : 83 ؛ وتفسير السمرقندي 2 : 410 ؛ وزاد ا لمسير 5 : 318 .
( 4 ) الأعراف : 142 .