علمية السيرة المتشرعية تحول دون ظهور نزعة تقليدية ظاهرية سلفية بالمعنى السلبي للكلمة ، وتحرّك فينا دوافع التمييز بين الظواهر التي عاشوها مستمدّين إياها من الشريعة نفسها وبين الظواهر التي عاشوها وأفرزتها طبائعهم وظروفهم الزمانية الخاصة التي حكمت نمط عيشهم .
إن أساس هذا التمييز وهذا الترسيم هو من الأهمية بمكان ، وواحدةٌ من أعقد المشكلات المعاصرة ذات الجدل بين التيارات السلفية وغير السلفية عند المسلمين هي هذه المشكلة بالذات .
الميزة الثالثة : إن السيد الشهيد يشير إلى نكتةٍ في تمييزه بين التواتر والإجماع يؤكّد فيها على أن أحد الرواة في التواتر لا يقع تحت تأثير راوٍ آخر ، وهذا بخلاف الإجماع فإنه من الممكن جداً أن يكون قول أحد المجمعين متأثراً بقول مجتهدٍ آخر ، وهذا يؤدي إلى البطء في حصول اليقين في الإجماع ؛ لضعف القيمة الإحتمالية لكل فقيهٍ في الدلالة على الحكم المجمع عليه نتيجة هذه الخصوصية « 1 » .
إن هذه الفكرة من شأنها أن تعيد رسم قيمة الإجماع بصورة علمية ، لأنها تؤكد على أن هناك عاملًا تكرارياً يدفع بكل فقيه بدرجة معينة إلى الاندراج في صفّ المجمعين ، ألا وهو الرؤية الفقهية للفقهاء أنفسهم ، وهذا يعني أنه لا يجوز الغفلة عن التأثير الفقهي في فتوى الفقيه نفسه ، ونتيجة ذلك أنه لابد من التفتيش داخل المسار الفقهي عن مولّدات هذه الفتوى ، فمن الممكن أن يكون لنظر الشيخ الطوسي دورٌ في استقرار حكم شرعي لدى الفقهاء لفترة طويلة من دون أن يعني ذلك أن مخالفة هذا الحكم تشكّل مخالفةً لاتفاقٍ كاشف ، بل هي في الحقيقة مخالفة لفتوى فقيه واحد أما التابعون له فإن درجة كاشفيتهم ضعيفة .
هامش
( 1 ) البحوث 5 : 310 - 311 ، المباحث 2 : 297 - 298 .