المحور الثالث : علم التاريخ الأصولي
دراسة تاريخ العلوم واحدة من فروع العلم الهامّة والتي جرى التركيز عليها بشكل ملفت في القرون الأخيرة ، وقد تولّد عن الاهتمام بدراسة التاريخ العلمي نزعة خاصة بنت لنفسها أركاناً فلسفية ، وصارت تقرأ الأفكار والنظريات قراءة تاريخية ، وهي قراءة تختلف من حيث طبيعتها وبنيتها وقواعدها ومصادراتها عن القراءة المعروفة للأفكار .
وتؤثر قراءة التاريخ العلمي في فهم الباحث لنظريات وأفكار هذا العلم ، كما تحدد سير تطور هذه النظريات ومراحله ، وبالتالي المؤثرات الفكرية التي ولّدت هذا التوجّه أو ذاك ، وهي مع ذلك كلّه قادرة على شرح العلاقات والارتباطات القائمة بين الأفكار المختلفة داخل هذا العلم من ناحية ، والعلاقات والتفاعلات الموجودة بين هذا العلم نفسه وبقية العلوم الأخرى من ناحية ثانية .
ومن اللافت للنظر أن علم الأصول الشيعي قبل الصدر ندر أو لعلّه انعدم وجود محاولة جادّةٍ لقراءته تاريخياً بعيداً عن مجرد نسبة هذا القول إلى فلان وذاك إلى آخر ، واستشراف مراحل نموّه إلى ما وصل إليه فعلًا ، بالرغم من أن هذا الجانب من المطالعة لهذا العلم هو جانب مهم جدّاً ، لا سيما فيما يتعلق بالدراسات المقارنة والمقارِبة سواءٌ بين الاتجاهات والمدارس الأصولية الشيعية كالأنصاري والبهبهاني أم شخصياتٍ من قبيل العراقي والخوئي والطوسي والإصفهاني والقمي و . . . أو حتى بين الأصولية والإخبارية ، أو بين الأصول الشيعي والسنّي ، لا سيما بعد عصر الانفراد والانفصال ، وهو ما يمكنه أن يولّد لنا علم الأصول المقارن أو أصول الخلاف على غرار الفقه المقارن .