تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
منطق القوّة الدعوية بالمعنى الذي يطرح في الجهاد الابتدائي ؛ فرأى أنّ سليمان قال « . . . هذا للرسول ، وهو يعرف أنهم سيستسلمون له عندما يعرفون حجم القوّة ومستوى الردّ ، ولكنه أراد أن يواجههم بالقوّة المستمدة من الغيب الذي منحه الله بعض وسائله ، ليكون ذلك وسيلةً للاقتناع عندما يعرفون عظمة القدرة الإلهية التي تتمثل في هذا الفعل العجيب الذي يدلّ على أن القضية ليست قضية مُلْك يراد له أن يتوسّع ويكبر ، بل هي قضية رسالةٍ يراد لها أن تتركّز في العقول والقلوب والمواقف . . . وهكذا التفت إلى أعوانه من الجنّ . . . » « 1 » . وكأن فضل الله التفت إلى النقطة التي أشرنا إليها مطلع الحديث ، فأراد أن يبعد منطق الجهاد الدعوى هنا بهذه الطريقة ، ولا يبعد - بقرينة السياقات الإعجازية وخاتمة الأحداث بإسلام ملكة سبأ عن قناعة - أن يكون إطار القوّة قد جاء كما قال السيد فضل الله . والذي يزيدنا إصراراً على خصوصية الحدث السليماني ، أن سليمان لم يقم باستخدام قوّاته لإخضاع العالم فقد كانت حكومته محدودة جغرافياً ، ولو كان بهدف إخضاع الأرض لفعل طبقاً للقوّة العملاقة التي منحه الله إياها ، لكننا لم نجده يستخدم ذلك أبداً ، فقصّة أهل سبأ قد تكون تعبيراً عن رغبة سليمان من أوّل الأمر أن يستخدم أسلوب التهديد كي تأتيه المرأة والملأ معها ، فيروا المعجزات التي عنده فيسلموا ، لا أن يريد إخضاعهم لأغراض الملك أو السلطة ، فضلًا كذلك عما يفهم من كلمات ابن عاشور التي ألمحنا إليها سابقاً ؛ والتي تنافي روح الآيات القرآنية المتحدّثة عن ملك سليمان ، إذاً هذا كلّه يعزّز الخصوصية في الحدث السليماني ، ووجود ملابسات غير واضحة لنا ، حتى لو كان الجهاد الدعوى جائزاً
هامش
( 1 ) محمد حسين فضل الله ، تفسير من وحي القرآن 17 : 207 .