ثانياً : إنّ القضيّة تابعة لمجمل الوضع الإسلامي العام ، فهناك غزو العولمة منذ بدايات التسعينيات ، وهذا الغزو الذي قام على نشر قيم مثل العقل والعقلانية والحرية وغير ذلك يعدّ مقلقاً لأهل الأديان عموماً ؛ لما يصاحبه من مشاكل على مستوى الاعتقادات الدينية والممارسات كذلك ، إنّ مجيء عصر العولمة أخّر الفكر الديني عموماً عند جميع المذاهب الإسلاميّة من مرحلة البناء والنهضة ، إلى مرحلة القلق والخوف على الهويّة ، فصار حذراً من كلّ شيء . ومبرّر هذا الحذر معقول ، فالآخر الحضاري قويّ جدّاً ، ويتراءى للجميع أنّه يلتهم كلّ شيء ، فلابدّ من انتفاضة في وجهه ، بتجفيف كلّ منابع البقاء والاستمرار له ، وأهمّها وجود مرجعيّة معرفيّة تفوق مرجعيّة النصّ أو تقف إلى جانبها ، وليس هناك إلا العقل ينادي به الغرب معياراً وحيداً للأمور . والذهنية الفلسفيّة تساعد على تقديم مرجع معرفي قويّ إلى جانب النصّ ، والإرث التاريخي قلقٌ أيضاً من تطويع الفلاسفة للنصوص الدينية .
وهذا الأمر يعني - في مناخٍ من هذا النوع - أنّ تنشيط العقل الفلسفي ، لا سيما بعد تطوّر الفلسفة وتنوّع مدارسها شرقاً وغرباً ، سيترك أثراً سلبيّاً على الهويّة الدينية والمذهبية ، وسيساعد على تفتيت خصوصيّتهما .
حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر — صفحة 331
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣١