جزئيات الأفعال والأقوال ، وسيأتي مزيد توضيح لهذه النقطة إن شاء الله تعالى عند الحديث عن آية التأسي .
ثانياً : إن المدح بالخلق الرفيع لو دلّ فإنما يدلّ على كون فعله العمدي منزّهاً عن المعصية أو الانحراف ، إلا أن ذلك لا يمنع الخطأ عليه في التقدير ، إذ لا ربط بين العلم والخُلق عرفاً وعقلًا وعقلائياً ، فمن الممكن لصاحب الخلق أن يَخطأ في نقله أو فعله أو تقريره للأمور ، دون أن يخدش ذلك بسماته الخلقية ، وهذا ما يلغي فرضية لزوم معياريّة سنّته ، نعم يمكن جعل الحجية لها مع ذلك ، كما أشرنا ، لكن الكلام هنا إثباتي لا ثبوتي .
ثالثاً : إنّ توجيه أوامر إلى الرسول ، كالطلب منه أن يتوكّل على الله ، أو يتق الله ، أو ما شابه ذلك ، لا يدلّ على أنه يلتزم به دائماً ، فإن مادة الأمر وصيغته من الإنشاءات التي لا تدلّ على وقوع ما تُنشئه أو عدم وقوعه ، ومعه فلابدّ لتأكيد وقوعه من شاهد يُستقدَم من خارج الآية .
قد يقال : إن هذا الشاهد الخارجي موجود ، وهو أن المخاطب بهذه الأوامر هو الرسول الذي نستبعد عدم عمله بمثل هذه الأوامر القرآنية ، ومعه فنستدلّ بذلك على حجية سنّته ، من خلال التزامه بمضمون الطلب القرآني .
إلا أن ذلك يمكن أن يجاب عنه بأن مشكلة البحث حول السنّة تكمن - عادةً - في الإسقاط اللاواعي لنظرية العصمة ، فيما المطلوب منّا لدى دراسة هذه الأدلّة تجاوز هذه النظرية خارج إطار تبليغ القرآن وادّعاء النبوّة ، وإذا حصل ذلك فلا يمكننا الجزم - لو بقينا نحن والآيات - بأن المخاطب بها قد طبّقها بحذافيرها دائماً في حياته ، وأنه غدا من المستحيل عقلًا أو عادةً صدور منافيها عنه ، فلا يمكنها أن تكون دليلًا إلزامياً على حجية سنّته ، مضافاً إلى أن هذا اللسان ليس لسان جعل الحجية ، فدلالتها لابدّ أن تكون بالالتزام .
بل يمكن القول أيضاً بأن هناك العشرات من النصوص القرآنية التي توجّه أوامر للمؤمنين في تلك الحقبة ، بل وتمدحهم كثيراً ، من المهاجرين والأنصار ، أفهل يقال بأنها
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 72
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٢