الطبري « 1 » ، أما في الوسط الشيعي ، فقد تمّ تناول الموضوع إلى قريب القرن العاشر الهجري ، لينحسر تدريجياً البحث فيه بعد ذلك ، وليتحوّل إلى مبادئ واضحة تقريباً .
لكننا نعتقد بأن تغييب هذا البحث لم يكن دقيقاً ، فالمسألة في دراسة الفعل النبوي لا تقف عند حدود مبدأ الحجيّة ، وربما لذلك - أي إيقافها عند حدود مبدأ الحجية وغيره - انحسر دور هذا البحث في أصول الفقه الإمامي مؤخراً ، انطلاقاً من وضوح نظرية العصمة في المدرسة الكلامية الشيعية ، الأمر الذي ظلّ مفتوحاً على احتمالات في الوسط الذي يُنكر العصمة أو لديه مواقف من دائرتها . . بل تتعدّى حدود مبدأ الحجيّة إلى مجالات أخرى في الفعل النبوي ، كتحديد مؤدّيات الفعل ومعطياته ، وكذا ألوان دلالاته ، وعلاقاته بأشكال الأدلة الأخرى .
وعلى هذا الأساس ، سوف ندرس في البداية أصل حجية الأفعال النبوية ، ثمّ نتعرّض لمؤدّى الفعل ومعطياته ، وكيفية ومعوّقات توظيفه في الاجتهاد ، لنختم - بعد ذلك - بالحديث عن دلالاته المختلفة ، إن شاء الله تعالى ، مشيرين - سلفاً - إلى أنّ بعض المباحث التفصيليّة في الأفعال كثرت فيها الأقوال وطالت بها الآراء ، لا سيما في الوسط السنّي ، وكثيرٌ منها لا داعي له ، ولا حاجة إلى الإطالة فيه إلى هذا الحدّ ، لهذا سنعرض عنه ، بل إن بعض التقسيمات لأفعال النبي وأنواعها بلغت حدّاً مبالغاً فيه لا ينفع الأصولي في شيء معتدّ به ، مثل تقسيم ابن حبان ( 354 ه - ) في صحيحه أفعالَ النبي إلى خمسين نوعاً « 2 » .
حجيّة الفعل النبوي ، قراءة نقديّة في المستند والدليل
لابدّ - لكي ننظر في الدليل على حجية الفعل - من استعراض أدلّة حجيّة السنّة
هامش
( 1 ) راجع : ابن النديم ، الفهرست : 292 ؛ وإسماعيل باشا ، هدية العارفين 1 : 678 .
( 2 ) صحيح ابن حبان 1 : 145 - 149 .