أولًا : قد لا يكون القرآن مصدر حجيّة السنّة ، فقد أثبتنا في محلّه أنّ حجيّة الفعل والتقرير النبويين ليس منشؤها القرآن الكريم ، وإنّما دليل العصمة في علم الكلام ، وقد لا يكون هذا الدليل إلا عقليّاً ، كما ذهب إلى ذلك بعض المتكلّمين المسلمين ، أو عقليّاً وقرآنيّاً يمكن الاستغناء بعقليّته عن قرآنيته ما داما معاً دليلًا صحيحاً ، أو على قانون الإرشادية في النقل عندما يدلّ العقل .
ثانياً : لنفرض أنّ أصل حجيّة السنّة جاء من القرآن ، فهذا لا يثبت التفسير الثالث المتقدّم لنظرية التقدّم القرآني ؛ إذ قد يعطي القرآن الاعتبار لمصدر معرفي ويجعله في عرضه ، بحيث لو تحدّث القرآن عن موضوع ما ، ألزمَنا - هو نفسه - بالرجوع إلى المصدر المعرفي الآخر معه ، وعدم الاستغناء بالقرآن عنه ، فهذا العقل هو الذي يثبت نبوّة الأنبياء وغيرها ، ولا يعني أنّه إذا تحدّث في موضوع ما انسدّ باب الرجوع إلى المصادر المعرفيّة الدينية الأخرى كالقرآن ، كما عليه مشهور المسلمين ، بصرف النظر عن قضيّة التعارض ، وذلك لملاحقة بعض التفاصيل أو التطبيقات أو نحوها بما لا يخلّ بوضوح القاعدة العقلية ، التي تتقوّم بالوضوح كما هو مقرّر في علمي الفلسفة والمنطق .
كما لا يثبت هذا الدليل لزوم البدأة بالكتاب ؛ لأنّه بعد أن أعطى القرآن الحجيّة للسنّة ، صارا معاً حجةً ، فما هو المبرّر المنطقي للبدأة معرفيّاً بالكتاب على نحو الضرورة المعرفيّة المنطقيّة ؟ !
وكذلك الحال في التفسير الخامس ؛ لإمكان جعل الحجيّة لطريق قابل لأن يتقدّم على الأصل ، كما قدّموا الآحاد على القرآن في التخصيص والتقييد ونحوهما .
فهذا الاستدلال الذي ذكره بعضهم لا يعطي سوى التقدّم الاعتباري للنص القرآني ، وهذا ما لا نبحث عنه هنا .
نتيجة البحث في التقدّم القرآني
ظهر نتيجة المعالجات المتقدّمة أن نظرية التقدّم القرآني لم تثبت بدليل معتبر في معناها