فأيّ خبر تاريخي يبلغنا فإنّنا نحتمل فيه أنّ الرسول قد قاله عن اجتهاد ، وقد يكون عن وحي ، وتطرّق الاجتهاد حاصلٌ في الجملة لا بالجملة ؛ لأنّ الأدلة أقصى ما تفيد أنّه اجتهد في بعض الموارد ، ولا تعطينا دلالة على اجتهاده في تمامها ، فقد توحى إليه مواقف دنيوية أو أحداث إجرائية ميدانية ، كما لو أوحى إليه الله تعالى في أن يفعل الفعل الفلاني في الحرب ، ولا يفعل الفعل الآخر فيها .
4 - ظهر من طبيعة الأدلّة المتقدّمة أنّ دائرة وقوع الاجتهاد النبوي لا تختصّ بقضايا الحرب أو بقضايا القضاء ، بل تعمّ وتشمل مطلق الجوانب غير الدينية بالمعنى الذي ذكرناه ، بما في ذلك الشؤون الشخصيّة .
5 - بمقتضى الأدلّة المتقدّمة ، إذا تمّ تجاهل أدلّة العصمة ، لم يقم ما يمنع عن حصول خطأ في الاجتهاد النبوي في دائرته المذكورة آنفاً ، ولم يقم لدينا دليل على أنّ الله لا يقرّه على خطأ الاجتهاد هذا ، فقد يقرّه ، نعم إذا أدخلنا أدلّة العصمة عن الخطأ والذنب - حتى لو لم نفهم العصمة بمعناها الوسيع - كانت تلك الأدلّة بنفسها دليلًا على عدم خطئه في الاجتهاد حينئذٍ ، حتى لو لم يقم دليل في مسألتنا هنا على ذلك ، والمقدار المتيقّن من دلالة أدلّة العصمة هو نفي الخطأ عنه في الدائرة الدينية والتبليغية ، فكلّ ما ينسبه إلى الله تعالى نجزم بصحّته سواء صدر منه عن اجتهاد في فهم نصّ القرآن أم عن وحي مباشر .
6 - بعد استعراض أدلّة الفريقين ، لم يعد معنى للتوقّف في هذه المسألة ، كما هو موقف بعض العلماء ، كما أسلفنا ، بل يفترض اتّباع نتائج الأدلّة ، وهي ما قلناه آنفاً .
7 - بعدما أسلفنا ، ظهر أنّه لم يثبت بدليل وقوع الاجتهاد النبوي القياسي في دائرة الدين ، خلافاً لما ذكره مثل الأحناف .
8 - قد يقال : إنه حيث لم يثبت وقوع الاجتهاد النبوي في المجال الديني فلا معنى للنظرية المفصّلة التي تشترط الاجتهاد النبوي باليأس عن نزول الوحي ؛ لأنّ الوحي هنا إن أريد منه أن يأتي لبيان قضية دينية فإنّ الاجتهاد النبوي لم يعلم وقوعه في القضايا
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 500
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٠٠