يضاف إلى ذلك ، أنّ الأغلبية الساحقة من الروايات في مجال صفات أهل البيت وعلومهم مما جاء في كتاب الكافي وغيره يثبت اتصالًا غيبياً لهم ، لكنّه لا يبيّن لنا طبيعة هذا الاتصال من حيث مدى سعة دائرته ، وهل هو بحيث يشمل كلّ شيء أم لا ، وحتى روايات العلم مختلفة ، ففي بعضها أنهم يعلمون كلّ شيء ، وفي بعضها الآخر أنّهم يعلمون عندما يريدون ، لكنّ العلم لا يحرز دوماً أنّه لدنّي حضوري . .
بل إن نصوص تفويض الدين إلى النبي صلى الله عليه وآله - سواء بالمعنى الذي اخترناه لها أم بالمعنى المشهور ، على ما سوف نبينه بالتفصيل عند الحديث عن السنّة المؤسّسة للنبي وأهل البيت - تعطي إيحاءً بالاجتهاد بالمعنى العام للكلمة ، فكأنّ الله تعالى أكمل عقل النبي ثم فوّض إليه بعض التشريعات ، سواء بمعنى التفويض المشروط بالإجازة اللاحقة أم بمعنى مطلق ، وهذا يعني انقطاع الوحي لحظة التفويض ، وإلا لم يكن معنى للتفويض إطلاقاً . اللهم إلا إذا قيل بأنّ التفويض قد يقوم على تكامل روحي يجعل النبي مدركاً للمصالح والمفاسد الواقعية بعلم إشراقي لدني فيصدر الحكم وكأنّ الله يصدره .
وعلى أية حال ، فالبحث في هذا الموضوع يطول جداً ، لا سيما بعد مقارنته بالنصوص القرآنية التي تقدّم بعضها ، وضعف سند الكثير من تلك الروايات ، ومعارضة جملة منها لكتاب الله تعالى فيما حدّده من علوم الأنبياء والأوصياء ، إذا بُني على فهم الإطلاق الشمولي المستوعب من نصوص العلم هذه .
النظرية المختارة في الاجتهاد النبوي ، مقاربة نتائج البحث
ما نستنتجه من المداخلات التي أسلفناها على المشهد المؤيّد والمعارض لنظرية الاجتهاد النبوي - بصرف النظر عن ثبوت نظرية العلم اللدني المطلق - أنه لم يقم دليل ينفي اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله بشكل حاسم لا من العقل ، ولا من الكتاب ، ولا من السنّة ، ولا من حقائق التاريخ ، فيما لم يُثبت أيّ دليل عقلي اجتهاد النبي . نعم ، توحي به بعض الآيات القرآنية والأحاديث والوقائع التاريخية .