تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
ونظراً لتشعّب الموضوع واختلاط أوراقه - كما سوف نلاحظ عند استعراض المواقف والاتجاهات منه - نجد من اللازم أن نطلّ على مجموعة من النقاط المنهجية المدخليّة ترسم لنا إطار هذا الموضوع ومنهاجية البحث فيه .

السياقات المنهجيّة لدراسة موضوعة الاجتهاد النبوي

1 - العلاقة بين نظريتي : العصمة واجتهاد النبي

هناك تناسب واضح واتصال وثيق بين نظرية عصمة الأنبياء في علم الكلام ونظرية الاجتهاد النبوي ؛ لأنه كلّما توصّل المتكلّم المسلم إلى توسيع دائرة العصمة تقلّصت فرص خطأ الاجتهاد النبوي ، وكلّما توصل إلى تقليص دائرة العصمة انفتح أمامه باب اجتهاد النبي وإمكان وقوع الخطأ في هذا الاجتهاد ، وربما لهذا تقلّص جدّاً حضور هذا البحث في علم أصول الفقه الإمامي ، خلافاً لمدارس الأصول الإسلامية الأخرى . ولمزيد تشريح لهذا الموضوع نلاحظ أنه من الناحية المبدئية ، لا يوجد أيّ تلازم منطقي بين أن نقول باجتهاد النبي وبين فكرة الخطأ بالذات ، فقد يجتهد النبي لكنه لا يخطأ في اجتهاده بتأييد من الله تعالى ، وهذه نقطة مهمّة جداً ، تربط نظرية الاجتهاد النبوي بكلّ من نظرية العصمة ونظرية العلم ، فإذا فسّرت العصمة بعدم الخطأ وعدم الذنب فقط ، فقد يفعل النبي فعلًا أو يقول قولًا عن ظنّ أو اجتهاد بمعنى أوسع من خصوص الظنّ لكنّه يصيب الواقع ؛ فهذا لا ينافي هذا المعنى للعصمة ، أما لو قلنا بنظرية العلم النبوي وأنه علم إلهي لدني يشمل كل صغيرة وكبيرة ، أو أدخلنا نظرية العلم هذه في نظرية العصمة ، فهنا حتى لو لم يخطأ النبي في اجتهاده ، إلا أنه إذا استبطن الاجتهاد الظنَّ وعدم العلم أو استبطن علماً مغايراً للعلم اللدني الشهودي له ، كانت نظرية الاجتهاد النبوي معارضةً لنظرية العلم أو العصمة حتى مع عدم الخطأ ، وهذه نقطة في غاية الأهمية ؛ ولذلك ذكر الآمدي أنّ القائلين بجواز الاجتهاد على النبي وقع خلاف بينهم في تجويز خطئه في الاجتهاد ، ثم نسب إلى بعض الشافعية المنع عن خطئه ، فيما نسب إلى الحنابلة وأكثر الشافعية وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة