تمهيد
تعدّ مسألة اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله من القضايا الهامة في أصول الفقه السنّي وقليلة الحضور في أصول الفقه الشيعي ، ربما لقول العديد من الشيعة بالعصمة بحدّها الأعلى ، بما يشمل العلم ، فيما اختلف غيرهم في دائرة العصمة ونطاقها اختلافات كثيرة معروفة .
ولا يرتاب المسلمون - بحكم عقيدتهم الدينية - في أنّ الوحي الذي كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتلقّاه المَلَك - أو أيّ واسطة أخرى لو كانت - ثم ينقله للنبي ، فيتلقّاه النبيُّ ثم ينقله للناس على نحو العصمة في ذلك كلّه ، أي أنّ المَلَك والنبيّ كانا معصومين في عملية التلقّي والنقل هاتين ، وإن كانت هناك مقولات في أنّ النبي صلى الله عليه وآله كانت توحى إليه الكلمات أيضاً أم كان الوحي يقف عند المعاني ، وكان هو يجتهد - بتسديد من الله تعالى - في صبّ هذه المعاني في قوالب لفظية ، على ما سوف نشير إليه - بحول الله تعالى - عند الحديث عن العلاقة بين الكتاب والسنّة ، في المحور الرابع من محاور البحث عن مديات حجيّة السنّة .
لكنّ مجال الحديث انفتح بعد ذلك ، فهل يمارس النبي اجتهاداً في غير مجال النصّ الموحى إليه على الأقلّ ، أي في مثل الحوادث الجزئية الواقعة أو في الموضوعات الخارجية غير المتصلة بأصل التشريع كتأبير النخل وإدارة الحرب ، أم أنه في تمام هذه التفاصيل كان يتحرّك على أساس العصمة الممنوحة له أو على أساس ما يلهمه الله تعالى في الموقع والحدث والظرف ، ليكون هذا الإلهام شكلًا من أشكال الوحي الإلهيّ له ؟