الكريم ، لننظر : هل في السنّة الشريفة ما يفرض - منطقيّاً - العدول عن هذا التفسير الصائب في حدّ نفسه أم لا ؟
ومعنى ذلك أن صحّة النظريّة الأولى صحّة معلقةٌ على الفراغ عن رصد مستندات النظرية الثانية ، وهو ما سنقوم به الآن إن شاء الله تعالى .
مستند نظرية التفسير الشرعي للجدال
الظاهر أنّ المستند الوحيد الذي ينبغي التعرّض له للتفسير الشرعي للجدال هو الروايات الشريفة ، فإنّ الإجماع هنا واضح المدركية ، فلا يعتمد عليه ، كما أنّ النص القرآني لا يدلّ عليها وفق ما أشرنا ، ولا سبيل لدليل العقل في الميدان حسب ما يبدو لنا .
وعليه ، فلابدّ من استعراض نصوص السنّة الواردة هنا ، للوصول منها إلى نتيجة ، وهذه النصوص هي :
الرواية الأولى : صحيحة معاوية بن عمّار ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « إذا أحرمت فعليك بتقوى الله ، وذكر الله ، وقلّة الكلام ، إلّا بخير ، فإنّ تمام الحجّ والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلّا من خير ، كما قال الله عزّوجل ، فإنّ الله عزّوجلّ يقول :
( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ )
« 1 » ؛ فالرفث : الجماع ، والفسوق : الكذب والسباب ، والجدال : قول الرجل : لا والله وبلى والله » « 2 » .
ومن الواضح أنّ الرواية بصدد بيان معنى ما ورد في الآية ، أي أنّها ناظرة إليها نظرةً تفسيرية ، وتريد أن تشرح معناها ، وليست في مقام بيان الحكم الشرعي فقط بقطع النظر عن الآية ، بل الرواية ناظرة إلى الآية ، فهي تحوي - إضافة إلى بيان الحكم الشرعي - تفسيراً للآية ونظراً إليها ، ممّا يفرض جعل مدلول الآية بالمعنى الذي تنصّ عليه الرواية ، فالخبر تامّ السند والدلالة .
هامش
( 1 ) . البقرة : 197 .
( 2 ) . وسائل الشيعة 12 : 463 - 464 ، كتاب الحجّ ، أبواب تروك الإحرام ، باب 32 ، ح 1 .