والشيء الذي يمكننا أن نستنتجه بوصفه قاسماً مشتركاً بين الروايات هنا - ربما يمكن الوثوق به - هو :
أ - إن مرحلة الست ( السبع ) سنوات لا تخضع من حيث المبدأ للتأديب ، ولو خضعت فهي تخضع للتوجيه والترغيب والتوعية ، لا لتحميل المسؤوليات .
ب - إنّ التربية فعلٌ تدريجي يتناسب وعمر الولد .
وهاتان النتيجتان معلومتان تؤكّدهما التجربة البشريّة كما هو واضح .
نعم ، إذا ثبتت صحّة هذه التقسيمات ( الزمنية ) علميّاً اليوم فلا مانع من الأخذ بها ، لكنّ اعتبارها أمراً توجيهياً دينيّاً ثابتاً ودائماً يحتاج إلى استخدام وسائل الإثبات العلمي في العلوم الدينيّة نفسها .
وبكلمة أخيرة : ربما تكون بعض مشاريعنا الفكريّة قد استعجلت - في زحمة الإصرار على أنّ الدين صاحب رؤية تفصيليّة في مختلف المجالات - الخروج بمواقف دينيّة في بعض الملفّات ، ومنها الملفّ التربوي بما يحمله من حساسيّة عالية ، وقد رأينا كيف الّفت كتب كبيرة في هذا الموضوع ، بل موسوعات ، حشدت نصوصاً مبعثرة كثير منها لا صلة له بعمق وجوهر العمليّة التربويّة ، وإنّما يحكم عليه التكلّف ، ليقدَّم مشروعاً إسلاميّاً لتربيّة الأطفال والناشئة ، وكان يفترض قبل ذلك أن تُدرس النصوص الدينية برؤية اجتهاديّة معمّقة ؛ للخروج بمعطيات واضحة منها ، لا بمعطيات ظنيّة غير معتبرة ، فكيف سيمكن بهذه الطريقة تقديم مشروع تربوي إسلامي يقوم على رؤية بهذه السعة في مقابل الطروحات الفكريّة الكبرى اليوم في علم النفس والتربية والتعليم ؟ !
إنّ النصّ الديني هنا غاية ما يفيد هو التدرّج في تحميل الطفل المسؤوليات حتى يبلغ سنّ الوعي والرشد وينتهي من مرحلة المراهقة ، أمّا التفاصيل الرقميّة
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 578
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٧٨