تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
أمّا مبدأ ( نقل الصراع ) فهو شيء آخر ، فأنت في مبدأ نقل الصراع لا تعرّف الأمّة بالخلاف الفكري في قضيّة معيّنة تعريفاً علميّاً هادئاً ، بل تقوم بتوسعة نطاق الصراع ، فتشرك الأمّة في الخلاف الدائر بعنف بين النخب الفكريّة والدينية ، بحيث يكون هناك حالة صراع ( لا حالة اختلاف معرفي في وجهات النظر ) ، فتقوم أنت بتوسعتها من الوسط النخبوي إلى الوسط الجمهوري العام ، فيصبح الجمهور متصارعاً أيضاً ، بعد أن كانت النخب متصارعة فقط . سأعطي مثالًا : نحن قبل أربعين سنة تقريباً كان الخلاف السنّي - الشيعي موجوداً بيننا أيضاً ، وكانت الكتب تؤلّف في القضايا الخلافيّة بين المذاهب ، ويطلع عليها الناس ، لكنّ الأمّة لم تكن تشارك في صراعٍ مذهبي ، فعندما أقوم ببسط هذا الصراع من حالته النخبوية إلى أن يصبح صراعاً ( وأؤكّد على كلمة صراع ) عامّاً فهنا تكمن المشكلة . . إنّ القضايا الفكرية والدينية والمذهبيّة هي من حقّ كلّ مسلم أن يعرفها ، لكنّ تعريفه بها شيء وإدخاله في صراعها وقضاياها شيء آخر . والعمدة في هذا الاختلاف بين المشهدين هو طريقة نقلنا للأفكار ، فتارةً أنا أدخل المسجد أو قاعة الجامعة فأقوم بتهييج جمهورٍ من الناس ضدّ مرجع معيّن أو كاتبٍ أو مفكّر معين ، فيضطرب المسجد أو يضطرب الحرم الجامعي بين فريقين ، فيتشارك الناس في الخلاف بحدّة تبعاً لطريقة الحدّة التي طرحتُ فيها الموضوع ، وهذا نقلٌ للصراع . ومرّةً أخرى أقوم بإلقاء محاضرة في الجامعة وأبيّن فيها أنّ في المسألة الفلانية خلافاً بين الباحثين ، وأشرح مبرّرات كلّ فريق بهدوء ، دون أن أخلق في المشاعر العامّة أو في الفضاء العام حالةَ صراع وتشنّج وجذب أو دفع متبادل ، فهنا هذا نقل معرفي وليس نقلَ صراع ، حتى لو كنت أدافع في