بل قد لا يكون الأمر مقارنةً بين فلان والأجيال اللاحقة ، بل هو مقارنة بين الأجيال نفسها ، فمثل الحديث المرويّ عن النبيّ من أنّ قرنه خير القرون ، ثم ما يليه وهكذا ، هو أيضاً حديث يفرض ذهنيّةً خاصّة في فهم مسيرة الأجيال ؛ لأنّه يعطينا إيحاءً بأنّ الجيل الإسلامي الأوّل هو - من حيث هو جيل ، لا كلّ فرد فرد فيه - أفضل من الأجيال اللاحقة إلى يوم القيامة ، ولهذا اشتهر تعبير القرون المفضّلة في بعض الأوساط الإسلاميّة .
إلا أنّ وجود نصوص دينية ثابتة وحجّة في هذا المضمار أمرٌ قليل جدّاً ، وفي كثير من الأحيان تواجه هذه النصوص تعارضاً فيما بينها ، حيث نجد مرويّات تجعل المتأخّرين أفضل من المتقدّمين . والمهم دراستها وتحليلها مصدراً وسنداً ومتناً للوصول إلى قناعة بها وفهم دقيق لها .
2 - مرجعيّة الثقافة العامّة والمناخ والفضاء التقديسي العام ، ولعلّ هذه هي المرجعيّة التي تؤول إليها الكثير من قناعات عامّة الناس في هذه الأمور ، فلأنّ فلاناً مدحه النبيّ ، إذاً فهو خيرٌ من كلّ المؤمنين إلى يوم القيامة ! لماذا ؟ من قال لك بأنّ النبي لو كان اليوم موجوداً لن يمدح شخصاً حاضراً بأشدّ ممّا مدح به ذاك ؟ هل لك في ذلك كتابٌ أو أثارة من علم تقدّمها لنا ؟ ! كما أنّ كون شخص قد عاصر النبيّ أو عاصر الإمام لا يجعله أحسن حالًا من سائر الخلق حتى لو كان هو في نفسه رجلًا صالحاً ، ما لم يقم نصّ معتبر علميّاً ودينيّاً على ذلك .
إنّ الناس تعيش دوماً الصورة السورياليّة ما فوق الواقعيّة عن الماضين المقدّسين ، فتخلق - دون دليل علمي غالباً - فهماً عنهم يجعلهم أفضل من المؤمنين الذين يعاصرونهم ، وكأنّهم دوماً نسخة أخرى متعالية للتديّن ! مع أنّ شهيداً هنا أو أمّ شهيد هناك أو أخ شهيد في مكان ثالث أو عالماً هنا أو مضحّياً
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 505
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٠٥